تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: 46] إلى قوله: ﴿وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجاباً وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجاباً وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾، ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافاً؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالاً؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37].

وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ [التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكنونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلمَّا رأوا أهل الجنة وهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، ﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئاً لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.

ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 30].

التأويلات النجمية · الصفحة ٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٥٣٨