وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65] يشير إلى أن الإخلاص تفريغ القلب عن كل ما سوى الله والثقة بأن لا نفع ولا ضرر إلا منه، وهذا لا يحصل إلا عند نزول البلاء في معرض التلف دوامة الهلاك؛ ولهذا وكل البلاء بالأنبياء والأولياء لتخليص الجوهر الإنساني القابل للفيض الإلهي من فيها التعلقات بالتكوين والرجوع إلى حضرة المكون، فإن الرجوع إليها مركون في الجوهر الإنساني لو خلي إلى طبعه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: 8] فالفرق بين إخلاص المؤمن وإخلاص الكافر أن يكون إخلاص المؤمن مؤيداً بالتأييد الإلهي، وأنه قد عبد الله مخلصاً في الرضا قبل نزول البلاء فنال درجة الإخلاص المؤيد من الله بالسر.
قال تعالى: " الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعنب فيخ ملك مقرب ولا نبي مرسل "، فلا يتغير في الشدة والرخاء ولا في السخط والرضا، وإخلاص الكافر إخلاص طبيعي قد حصل عند نزول البلاء وخوف الهلاك بالرجوع الطبيغير مؤيد بالتأييد الإلهي عند خمود التعلقات ككواكب الفلك: ﴿دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65] دعاء اضطرار فأجابهم من يجيب المضطر بالنجاة من ورطة الهلاك، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ وزوال الخوف والاضطرار عاد المشئوم إلى طبعه ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ أي ليكون حاصل أمرهم من شقاوتهم أن يكفروا بنعمة الله ليستوجبوا العذاب الشديد، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ أياماً قلائل، ﴿فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 66] أن عاقبة أمرهم دوام العقوبة على الأبد.
ثم أخبر عن شقاوة أهل العناد وسعادة أهل الجهاد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67] يشير إلى حرم القلب فإنه آمن من دخول الشيطان فيه بأن الله حرم عليه دخوله فيه؛ ولكنه تتخطف الناس الصفات الناسوتية النفسانية من حولهم أي: حول القلب وصفاته ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ وهو ما سوى الله مشارب النفس ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصرفون صدقهم في طلبه ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ وهي مشاهدة الحق تعالى ﴿يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67] بألا يطلبون.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [العنكبوت: 68] بأن يرى نفسه لأن له مع الله وقتاً أو حالاً أو كشفاً أو مشاهدة، ولم يكن له من ذلك شيء وقالوا: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: 28] به يشير إلى الإباحية وأكثر مدعي زماننا هذا إذا صدر منه شيء على خلاف السنة والشريعة يقولون: إنا وجدنا مشايخنا عليه، والله أمرنا بهذا أي: مسلم لنا من الله هذه الحركات لمكانة قربنا غلى الله وقوة ولايتنا، فإنها لا تقربنا بل تنفعنا وتقيدنا ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ﴾ [العنكبوت: 68] أي: بالشريعة وطريقة المشايخ وسيرتهم.