تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله تبارك وتعالى في هذه الآيات يأمر خلقه بعبادته - وهو المستحق لذلك - ويبين لهم أنه قد تكفل برزقهم وإطعامهم، ولم يكلفهم أن يرزقوا أنفسهم أو يطعموها أو أن يرزقوا غيرهم أو يطعموهم، فهو سبحانه وتعالى الرزاق ذو القوة المتين، فقد استدل سبحانه وتعالى لخلقه على ألوهيته بأنه الرزّاق لهم حتى لا يشغلوا أنفسهم بكثرة التفكير في قضية الرزق فيعطوها أكثر مما تستحق، وهو أمر سيكون بلا شك على حساب الإيمان والعمل للآخرة. ولا شك أن في عبادة الله تعالى وكمال الذل له، والخضوع لعظمته والاتباع لأمره، تحريراً لإرادة العبد المؤمن من التبعية والانقياد لغير الله تعالى، ليرتفع بإرادته عبداً لله عن حضيض الدنيا وسفاسف المصالح الهابطة، فتسمو بذلك نفسه وتشرق بالخير والفضيلة إنسانيته، فيحسن السير على مدارج العبودية ليقف بين يدي ربه في الدنيا والآخرة لا يتجاوز أقدار العبيد أمام سيدهم وجبارهم وخالقهم ورازقهم، لينضم إلى السائرين في طريق العبودية من أنبياء الله ورسله الكرام - عليهم الصلاة والسلام - ومن الصالحين الذين هم على هذا الدرب يسيرون.

وإذا ألقينا نظرة على أسلوب هذه الآية فإننا سنلاحظ الآتي:

قوة العبارة وجزالتها. وقوة الألفاظ في أداء المعنى المباشر المراد. وكثرة المؤكدات. جوامع الألفاظ الدالة على جوامع المعنى المراد. الإظهار في مقام الإضمار، وتوالي الصفات، وأسلوب الحصر، وأسلوب التعريف، وأسلوب التعليل، والألفاظ التي تدل على القوة في الفعل، ففي قول الله تعالى: ? ????? ?? ?????? ????????? ??????????? ??????? ???????? ????? ? (1)، نجد أسلوب الحصر واضحاً جلياً وهو (خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين ... والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ) (2). وجملة ? ????? ???????? ??? ??? ???? ?? ???? ??????? ???????? ???? ??????????? ? (3) يتضح فيها جلياً نفي احتياج الله تبارك وتعالى لما يطلق عليه جنس الرزق قليلاً، كان أو كثيراً، فالنفي قد استغرق جميع أجزاء المنفي وآحاده على جميع الوجوه وفي كل زمان ومكان، وذلك دل عليه بمجيء حرف الجر (مِنْ) التي جاءت في سياق النفي بـ (ما) ولما كان المقصود نفي مطلق الرزق جاء بالاسم (فلم يقل بلفظ الفعل والمقصود في الإطعام الفعل نفسه، فذكر بلفظ الفعل ولم يقل: وما أريد منهم من طعام) (4).

والجملة بذلك هي تقرير لمعنى ? إلا???????? ????? ? بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئاً يصنعونه أو يتخذونه، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئاً إنما يتخذه لنفع نفسه.

(1) سورة الذاريات: (56).

(2) التحرير والتنوير لابن عاشور (27/ 25).

(3) سورة الذاريات: (57).

(4) تفسير الرازي (14/ 235).

الرزق في القرآن الكريم · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرزق في القرآن الكريمص ١٣٩