أهل الصفة والأخذ بالأسباب
ومن خلال هذا الفهم نريد أن نتوقف قليلاً عند قضية تناولها القاضي أبوبكر ابن العربي وهي قضية أهل الصُّفَّة من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وكان فيما قرره وانتهى إليه مخالفاً لما قررناه في شأن موقف المؤمنين من الأسباب، قال - رحمه الله -: (أمَّا إنه لقد كان قوم يقعدون بصُفَّة المسجد، ما يحرثون ولا يتَّجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام، إذا جاءت هدية أكلها النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم، وإن كانت صدقة خصَّهم بها، ولم يكن ذلك بمَعَابٍ (1) عليهم؛ لإقبالهم على العبادة، وملازمتهم للذكر والاعتكاف، فصارت جادتين في الدين ومسلكين للمسلمين، فمن آثر منهما واحداً لم يخرج عن سننه ولا اقتحم مكروهاً) (2).
ونحن لا نوافق ابن العربي فيما انتهى إليه بقوله: (فصارت جادتين في الدين، ومسلكين للمسلمين، فمن آثر منهما واحداً لم يخرج عن سننه ولا اقتحم مكروهاً)، وكأنه بهذا يقنن البطالة في الإسلام، فإنه لا ينبغي أن ينظر إلى قضية أهل الصُّفَّة - رضي الله عنهم - أنها قاعدة في الإسلام، وأنها مسلك في الدين - فمن أخذ بها لم يخرج عن سنن الدين ولا فعل ما يكره - بل يجب أن ينظر إليها
(1) تقول العرب: المسار والمسير، والمعاش والمعيش، والمعاب والمعيب. والمعاب والمعيب: العيب. انظر: لسان العرب (1/ 633، 634).
(2) أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 916).