والذروة يعلوها التابعي العابد الفقيه المحدث الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي ، نتاج تربية الأربعة الراشدين و ابن مسعود و سعد بن أبي وقاص و غيرهم ، فإنه عاف التجارات و البيوت و بنى له في الكوفة حصناً صغيراً يسعه هو و فرسه و سلاحه فقط ، و بقي طول عمره متحفزاً للجهاد ، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس (1) . تجرد حق التجرد ، فأنتج حق الانتاج ذرية تجرد تتبعه ، يعلم الدعاة بذلك طريق إنتاج الرجال باستخدام وسائل الايضاح البصرية المجسدة .
أنتج أبو وائل أمثال : سليمان الأعمش ، و منصور بن المعتمر ، و حصين بن عبد الرحمن ، وعمرو بن مرة ، و غيرهم من فحول المحدثين .
إن من لا يفهم التربية يظن أن بناء هذا الحصن من التكلف و الرياء ، وما هو كذلك .
ذهب الفراغ ....!
و يموت شقيق الأسدي مع نهاية قرن الخير الأول ، فيبادر الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز إلى ضرب الأمثال . تصفه زوجه فاطمة بنت عبد الملك فتقول : " كان قد فرّغ للمسلمين نفسَه ، ولأمورهم ذهنه ، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه : وصل يومه بليلته " (2) . يضرب المثل بذلك لداعية الإسلام إن أراد أن يصدق دعوته و يؤدي الأمانة .
صدق الداعية : أن يجدد أطوار عمر فيفرغ نفسه للمسلمين ، فلا تجد له حركة دنيوية إلا بمقدار ما توجبه ضروريات إطعام عياله . و يفرغ ذهنه ، فليس فيه إلا تفكر بمصالح الدعوة .
ويتعرض أصدقاءٌ قدماء لعمر ، من أصدقائه قبل الخلافة يوم كان فارغاً ، يودون أن تكون لهم معه جلسة يعيدون فيها الذكريات ، فيقولون : " لو تفرغت لنا " , فيقول : " وأين الفراغ ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله " (3) ..
يلقنها لمن يدخل الدعوة بعده إذا دعاهم رفاق الأمس إلى قتل الأوقات .
(1) كتاب الثقات لابن حبان /108 .
(2) سيرة عمر لابن عبد الحكم / 146 .
(3) طبقات ابن سعد 5/397 .