قال صاحب تاريخ تنيس : " وكان أبوه ملكاً على تنيس ، ثم أخوه علي ، ولم يقبل الحسن من إرث أبيه شيئاً ، وكان يُقرن بقارون في اليسار " (1)
التربية بالاعتراف :
وطفق المربون بعد أحمد والحسن الجروي يمارسون طريقتين في التربية : فمن حاز مرتبة أحمد وزهده و ورعه و حياة قلبه : قلّده في سكوته ، وترك حاله تخبر الأبصار .
ومن لم يحز مثل سمو أحمد ، ولبث دون ذلك : سلك طريقة الاعتراف ، فيستفزُّ الأسماع ، كما استفزها الخليفة العباسي الراضي بالله ، لما جمع ببغداد الغافلين ، وحاول من بعد المتوكل أن يتشبه بعلي وعمر بن عبدالعزيز و يقلد طريقتهما ، فراح ينشد لهم من نظمه :
كل صفو إلى كَدَر **** كل أمنٍ إلى حَذر
ومصير الشباب للموت **** فيه أو الكَبِر
أيها الآمل الذي**** تاه في لُجّة الغَرَر
أين من كان قبلنا **** دَرَسَ الشخصُ والأثر
سيردُ المعارَ من **** عمرُه كله خَطر
ربّ أني ذخرت عندك **** أرجوك مُدّخر
إنني مؤمن بما **** بين الوحي في السوَر
و اعترافي بترك نفعي **** وإيثاري الضَرر
رب فاغفر لي الخطيئة **** يا خَيرَ من غَفَر
أو كما استفزها بالأندلس آخر ، حين راح يعترف :
إلى كم أقول ولا أفعلُ **** و كم ذا أحوم ولا أنزِلُ
وأزجر عيني فلا ترعوي **** وأنصح نفسي فلا تَقبلُ
و كم ذا تعلّل لي ، ويحَها **** بِعَلَّ وسوف وكم تمطل ؟
وكم ذا أُؤمل طول البقا **** وأغفل والموت لا يغفلُ ؟
و في كل يوم يُنادي بنا **** منادي الرحيل : ألا فارحلوا
كأن بي وشيكاً إلى مصرعي **** يُساق بنعشي ولا أُمهلُ (2)
و بعد :
و بعد يا داعية الإسلام .. إنَّ من جَدّ وجد ، وليس من سَهر كمن رقد . فلا تكن ممن تضمّه الكتائب ، وقلبه عن المشاركة غائب . و هذا الموت منك قيد شبر الشابر .
و هذا دبيب يُسارق نفسك ساعتها .
(1) تهذيب التهذيب 2/292
(2) نفح الطيب 4 /275