تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كم من ناعم و ناعمة أصبحوا وجوههم بالية ، وأجسادهم عن أعناقهم نائية ، قد سالت الحدق على الوجنات ، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً ، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيراً ، حتى عادت العظام رميماً . قد فارقوا الحدائق ، فصاروا بعد السعة إلى المضائق ) .

ثم راح ينادي حتى صحل صوته : ( ياساكن القبر غدا ، مالذي غرك من الدنيا ؟

أين دارك الفيحاء ؟

و أين رقاق ثيابك ؟

ليت شعري كيف ستصبر على خشونة الثرى ، وبأي خديك يبدأ البلى ؟ )

وبمثل هذا : استأسر فقهاء الأمصار لعمر ، فجمع قلوبهم حوله ، و جعلهم له أعواناً في تعميم رشده ، و أخرجهم إلى مشاركة جماعية في تعليم الأمة و تربيتها ، متناسقة مع أسلوبه ، أغنت حكمه عن سيف وحساب ، و استثمر بها طاقات خير دفينة مغروسة في أصل فطرة الناس ، قدم لها منه القيادة ، فقدمت له منها المتابعة .

مدرسة البصرة تؤيد :

ولئن أسرع عنبسة أو القرظي الاستجابة لعمر ، في أرهاط من الشاميين والمدنيين ، فإن الحسن البصري ، عبر عن سيادته الجيل الأوسط من التابعين طراً ، وبتأثير ما اقتبسه من علي ومدرسته الكوفية ، قد أنزل البصرة مكانة التقدم في التأثير التربوي في الأمة من قبل أن يحكم عمر ، مكنها من بعد أن تسبق الربوع الأخرى في إعادة رسم خطوط حصار الأمل ، ورواية قصة الرقاد الطويل ، وتأكيد مذهب عمر وترويجه ، حتى غدت مواعظ الحسن أداة تربوية ، تكتب في نسخ وتوزع مع بريد الخلافة كما توزع الصحف اليوم ، فيجد المسلم المرابط في أقصى الثغور في شدة نبراتها حماسة يهتز بها للشهادة قلبه ، تعادل رقة يرجف لها بدن المتعلم العاكف ، والساذج المزارع ، و التاجر الساعي .

وهكذا وافقت دمعات الرشد فهماً لدى إمام البصرة ، وبدأت الآمال تقصر بمآل إلى الردى يصوره الحسن و يحذرها أهوالاً تستقبلها ليست سكرات الموت إلا بواكر حسابها وعَتب أبوابها ، فراح ينادي :

( المبادرة ، المبادرة .

الرقائق · الصفحة ٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٦٤