" أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله " (1) . ويحفر له قبراً ، ويأخذ ينزل فيه كل يوم يتمدد ، ثم يقوم يذكر لهم مشاعره لما يكون بقعره .
ويذكر سعيد بن جبير لهم مقدار تصفية كلمات علي لقلبه ، فيقول : " لو فارق ذكر الموت قلبي : خشيت أن يفسد عَليَّ قَلبي " (2)
وكل هؤلاء : سعيد ، والربيع ، وأويس ، رحمهم الله ، والأغلب رضي الله عنه ، من ثقات أهل الكوفة الذين رباهم علي رضي الله عنه ، فلما ماتوا : أورثوها لآخرين يحفظون للكوفة سمتها ، فكان عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي يرتقي المنبر و يسألهم : " كم من مستقبل لا يستكمله ، ومنتظر غداً لا يبلغه . لو تنظرون إلى الأجل و مسيره ، لأبغضتم الأمل و غروره " (3)
فإذا نزل : صعد عمر بن ذر ، فخطبهم :
" أما الموت فقد شَهَرَ لكم ، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة ، من بين منقول عزيز على أهله ، كريم في عشيرته ، مطاع في قومه ، إلى حفرة يابسة وحجار صُم ، ليس يقدر له الأهلون على وِساد إلا خالطه فيه الهوام ، فوساده يومئذ عمله . ومن بين مغموم غريب ، قد كثر في الدنيا همّه ، وطال فيها سعيه ، وتعب فيها بدنه ، جاءه الموت قبل أن ينال بغيته ، فأخذه بغتة . ومن بين صبي مرضَع ، ومريض موجَع ، ورهن بالشر مُولَع ، وكلهم بسهم الموت يُقرع "
فلما مات هؤلاء النفر ، واجتمع علمهم وعلم شيوخهم عن علي في سفيان الثوري : تولاها طريقة ، واتخذ الموت نشيداً ، حتى قال أحد تلامذته : " ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكر الموت ، وما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه " (4)
(1) طبقات ابن سعد 6 / 184 .
(2) الزاهد لأحمد بن حنبل /371 .
(3) الزهد لابن المبارك 4
(4) تاريخ بغداد 9/157 .