" ولا اختلاف بين القولين ، و المقصود بالمثل : المؤمن ، و النخلة مشبهة به ، وهو مشبه بها " (1)
و من مكانك تحتها تشم عبير ورود بقربها ، من شجرة تسمى شجرة الطاعة ، شهدت منحة الرضوان ، لما أسبغت ، يوم نزلت : ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ، فعلم ما في قلوبهم ، فأنزل السكينة عليهم ، وأثابهم فتحاً قريباً ﴾
و يفتأ المستظل بظلها اليوم ساكن الفؤاد ، غير مضطرب لحرمان وفوات ، ينتظر فتحاً لحركة الإسلام تندكّ به صروح الضلال ، قد قدّم له التبايع على الموت ثمناً .
فإن اختار الله لك المحنة سبيلاً لهذه المنحة ، وحَزَبَك الأمر : لجأت إلى شجرة الترحاب ، تطلب الطمأنينة عندها ، هازاً جذعها ، لتغدق عليك من بركتها ، وتفعل ما فعلت مريم عليها السلام لما ضاقت عليها الأرض ، فجاءها نداء: ﴿ و هزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رُطباً جَنياً فكلي و اشربي و قرّي عينا ﴾ .
فتأكل رطيبات وتقنع بها ، عازفاً عن بطر المترفين ، وتغرف من ثَمّ من سَرِي بين يديك يجري ، مستعلياً بعزة دونك مدارجها ، ترقى إليها و تَسري .
و للنبي صلى الله عليه وسلم غِراس في هذه الغابة ، كما أن الحكمة أشهدت الشجر مواقف من سيرته الشريفة ، إيماء إلى هذا الارتباط ، ربما ، و إثارة لتطلع الغافل .
منها : شجرة الوفاء ، عنوان امتزاج الأرواح الذاكرة ، تنطق بالشكر ، و تحفظ الفضل لأهله ، و تعلن عِرفان الجميل .
وهي نخلة ، تَنَهَّدتْ عند الفِراق .
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه :
( كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وُضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العِشار ، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده عليه ) (2)
أي كأصوات النياق التي أثقلها حمل بطنها وقَرُب مخاضها . وتلك من معجزاته ، عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام .
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين 1 / 188 – طبعة الوكيل .
(2) صحيح البخاري 2/11 .