وقد قيل: إن علياً دفن قبلي المسجدِ الجامعِ من الكوفةِ. قالهُ الواقدي. والمشهورُ أنهُ بدارِ الإمارةِ. وقيل: بحائطِ جامعِ الكوفةِ. وقد حكى الخطيبُ البغدادي عن أبي نعيم الفضلِ بنِ دكين أن الحسنَ والحسينَ حولاه فنقلاهُ إلى المدينةِ فدفناه بالبقيعِ عند قبرِ زوجتهِ فاطمةَ أمهما.
وقيل: إنهم لما حملوهُ على البعيرِ ضل منهم، فأخذته طيئ يظنونه مالاً، فلما رأوا أن الذي في الصندوقِ ميتٌ، ولم يعرفوا من هو دفنوا الصندوقَ بما فيه، فلا يعلمُ أحدٌ أين قبره. حكاه الخطيبُ أيضاً، وروى الحافظُ ابنُ عساكر، عن الحسنِ بنِ علي قال: [[دفنتُ علياً في حجرةٍ من دورِ آل جعدةَ]].
وعن عبدِ الملكِ بنِ عمير قال: لما حفر خالدُ بنُ عبدِ اللهِ أساسَ دارِ ابنهِ يزيد استخرجوا شيخاً مدفوناً أبيضَ الرأسِ واللحيةِ، كأنما دفن بالأمس، فهم بإحراقهِ، ثم صرفه اللهُ عن ذلك إلى غيرهِ، فاستدعى بقباطى فلفهُ فيها، وطيبهُ وتركه مكانهُ. قالوا: وذلك المكانُ بحذاءِ بابِ الوراقين مما يلي قبلةَ المسجدِ في بيتِ إسكاف، وما يكاد يقرُ في ذلك الموضعِ أحدٌ إلا انتقل منه. وعن جعفر بنِ محمد الصادق قال: [[صُلي على علي ليلاً، ودفن بالكوفةِ، وعمي موضع قبرهِ، ولكنه عند قصرِ الإمارةِ]].
وقال ابنُ الكلبي: شهد دفنه في الليلِ الحسنُ، والحسينُ، وابنُ الحنفيةِ، وعبدُ الله بنُ جعفر، وغيرُهم من أهلِ بيتهم، فدفنوه في ظاهرِ الكوفةِ وعموا قبرهُ؛ خيفةً عليه من الخوارجِ وغيرهم. ا. هـ
وسُئل شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في "الفتاوى" (4/ 498 - 526) سؤالاً اخترتُ منه ما يهم مسألتنا والجواب عنه نصهُ: هَلْ صَحَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ أَوْ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي دِينِ الإِسْلَامِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: [[إذَا أَنَا مُتّ فَأَرْكِبُونِي فَوْقَ نَاقَتِي وَسَيِّبُونِي فَأَيْنَمَا بَرَكَتْ ادْفِنُونِي]]. فَسَارَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ قَبْرَهُ؟ فَهَلْ صَحَّ ذَلِكَ أَمْ لا؟ وَهَلْ عَرَفَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْنَ دُفِنَ أَمْ لَا؟ وَمَا كَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ؟ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ؟ وَمَنْ قَتَلَهُ؟
فأجاب: ... وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي مَوْضِعِ قَبْرِهِ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ دُفِنَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ؛ وَأَنَّهُ أُخْفِيَ قَبْرُهُ لِئَلَّا يَنْبُشَهُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَانُوا يُكَفِّرُونَهُ وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَهُ؛ فَإِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْخَوَارِجِ وَهُوَ