الفصل الرابع: علماء الدين والمال
أكد القرآن الكريم على قضية مهمة جداً هي:
أن علماء الدين ودعاته من الأنبياء -عليهم السلام- وغيرهم لا يسألون الناس أجراً أو مالاً مقابل دعوتهم أو كونهم علماء، فليس في شرع الله الذي أنزله على مر العصور طبقة من (رجال الدين) تتكسب بدينها وتعتاش على أموال غيرها، إنما يوجد هذا عند أصحاب المناهج المخترعة والديانات المبدلة كالأحبار والرهبان الذين ((يَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) [التوبة:34]، لقد تكرر ذكر هذه القضية المهمة كثيراً في القرآن وجاءت على لسان كل نبي بعثه الله تقريباً.
فهذا نوح عليه السلام يقول: ((فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ)) [يونس:72]، ويقول: ((وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ)) [هود:29]، بل قال: ((وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)) [هود:31] حتى لا يغري الناس باتباعه طمعاً بالمال وزخارف الدنيا، فلا هو يسألهم مالاً ولا هو يعطيهم شيئاً، وذلك من أجل أن تظل الدعوة خالصة لله.
ويقول هود عليه السلام لقومه: ((يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [هود:51] وكان كل نبي يقول لقومه: ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء:109] جاءت هذه الآية مكررة خمس مرات في سورة الشعراء على لسان خمسة من الرسل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما أكثر الآيات التي جاءت على لسانه تؤكد هذه القضية المهمة:
((قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ)) [سبأ:47].
((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)) [الأنعام:90].
((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)) [الفرقان:57].
((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) [المؤمنون:72].