فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبكِ عَينُكَ إنَّما نُحاولُ مُلكاً أو نَمُوتَ فَنُعذَرَا (1)
فَنَصَبَ آخِرَهُ، ورَفَعَ " نُحاوِلَ " علَى معنَى " إلَّا " أو "حتَّى ". وفي إحدى القِراءتينِ: (تُقاتِلُونَهُم أو يُسلِمُوا). (2) وقال الشاعر: (من البسيط)
لا أَستَطِيعُ نُزُوعاً عَن مَودَّتِها أَو يَصنَعَ الحُبُّ بِي غَيرَ الَّذِي صَنَعَا (3)
وأَنْتَ قائِلٌ فِي الكَلامِ: لَسْتُ لأبِي إنْ لم أَقتُلْكَ أو تَسبِقَنِي فِي الأرضِ. فتنصبَ " تَسبِقَني " وتَجزِمُها. كأنَّ الجزمَ في جوازهِ: لَسْتُ لأبِي إنْ لم يَكُنْ أَحَدُ هذَيْنِ، والنَّصبُ على أنَّ آخرَهُ مُنقَطِعٌ عن أَوَّلِهِ، كما قالُوا: ل يَسَعُنِي شَيءٌ ويَضِيقَ عنكَ، فلم يَصلُحْ أنْ تَرُدَّ " لا "، على " ويَضِيقَ "، فَعُلِمَ أنَّها مُنقَطعة من معناها. كذلكَ قَولُ العربِ: لَو تُرِكْتَ والأَسَدَ لأَكَلَكَ، لَمَّا جاءَتِ الواو تَردُّ اسماً على اسمٍ قَبلَهُ، وقَبُحَ أنْ تَردَّ الفِعلَ الَّذِي رَفَعَ الأوَّلَ على الثاني نصبَ، ألا ترى أنَّكَ لا تَقُولُ: لَو تُرِكْتَ والأَسدُ لأَكَلَكَ. فمن ها هنا أتاهُ النَّصبُ، وجَازَ الرَّفعُ، لأنَّ الوَاوَ حَرفُ نَسَقٍ مَعرُوفٌ، فَجَازَ فِيهِ الوَجهَانِ لِلعِلَّتَيْنِ. (4)
المسألة التاسعة:
قوله تعالى: (لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ علَى أنْ يَأْتُوا بِمِثلِ هذا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثلِهِ). (5) جواب " لَئِنْ " هو " لا يَأتونَ ". والعرَبُ إذا أجابَتْ " لَئِنْ " بـ " لا " جعلُوا ما بَعدَها رَفعاً، لأنَّ " لَئِنْ " كَاليَمِينِ، وجوابُ اليَمِينِ بـ " لا "مرفوع. وربّما جَزَمَ الشَّاعرُ، لأنَّ " لَئِنْ " الَّتي يُجازَى بِها زِيدَتْ علَيها لامٌ، فَوَجَّهَ الفِعلَ فِيها إلَى " فَعَل "، ولو أتَى بـ "يَفعَل " لجازَ جَزمُهُ. وقد جَزَمَ بَعضُ الشُّعَراءِ بـ " لَئِنْ "، وبَعضُهُم بـ " لا " الَّتِي هِيَ جَوابُها (6). قَالَ الأَعشَى: (من البسيط)
(1) ديوان امرئ القيس، ص 32.
(2) الآية 16 من سورة الفتح. وهذه قراءة شاذة. قرأها أُبَي وزيد بن علي. ينظر البحر المحيط 8: 94.
(3) معاني القرآن 2: 71.
(4) معاني القرآن 2: 71.
(5) الآية 88 من سورة الإسراء.
(6) معاني القرآن 2: 130 - 131، وينظر 1: 66 - 68.