فأَدخَلَ " أنْ " على إنَّما. (1)
تعليق ومقارنة:
أَرادَ هُنا فِي هذا الأُسلُوبِ أنْ يَقُولَ لَنا: إنَّ العِلمَ والظَّنَّ قَسَمٌ، وجَوابُ القَسَمِ ما بَعدَ " ما "، أي: مَا هؤلاءِ يَنطِقُونَ، فجَوابُ القَسَمِ جَاءَ مُقترِناً بِحرفِ النَّفيِ " ما "، وأرادَ أيضاً أَنْ يَقُولَ لَنا: إنَّ العَرَبَ تَضَعُ " أنْ " قبل " ما "، وهذا صَوابٌ عِندَهُم ولَيسَ بِخطأ، وأتى بِشَاهِدٍ علَى ذلِكَ.
ومِن مِثلِ ذلِكَ أيضاً قَولُهُ تعالَى: (وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ) (2). العِدَةُ قَولٌ يَصلُحُ فِيها " أنْ و جَوابُ اليَمِينِ "، وإنَّ " أنْ" تَصلُحُ فِي مِثلِهِ من الكَلام. (3)
المسألة الحادية عشرة:
وقَولُهُ: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأَهلَهُ) (4). وهيَ فِي قِراءةِ عبدِ الله: (تَقَاسَمُوا بِاللهِ)، ليسَ فِيها " قالُوا ". وقَولُهُ: (لَنُبَيِّتَنَّهُ)، التاء، والنُّون، والياءُ، كُلٌّ قَد قُرئَ بِهِ، فَمَنْ قالَ (تَقَاسَمُوا)، فَجَعَلَ (تَقَاسَمُوا) خَبَرَاً، فَكأَنَّهُ قالَ: قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ: لَنُبَيِّتَنَّهُ، بالنُّونِ. ثُمَّ يَجُوزُ اليَاءُ فِي هذا المعنَى، فَتَقُولُ: قالُوا لَيُبَيِّتُنَّهُ، بالياء، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا لَنَقُومَنَّ، ولَيَقُومُنَّ. ومَنْ قالَ: تَقَاسَمُوا، فَجَعَلَها فِي مَوضِعِ جَزمٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَحالَفُوا وأَقسَمُوا لَتُبَيِّتَنَّهُ، بالتاء والنُّون تَجُوزُ مِن هذا الوَجهِ، لأنَّ الَّذِي قالَ لَهُم تَقَاسَمُوا مَعَهُ فِي الفِعلِ داخِل، وإنْ كانَ قَد أَمَرَهُما ألا ترى أنَّكَ تَقُولُ: قُومُوا نَذهَبْ إلَى فُلانٍ، لأنَّهُ أَمَرَهُم، وهو مَعَهُم فِي الفِعلِ. فالنُّونُ أَعجَبُ الوُجُوهِ إلَيَّ، وإنَّ الكسائِيَّ يَقرأُ بالتَّاءِ، والعوامُّ علَى النُّون. وهِيَ فِي قِراءةِ عبدِاللهِ (تَقَاسَمُوا)، (ثُمَّ لَنُقسِمَنَّ ما شَهِدْنَا مَهلِكَ أَهلِهِ). (5)
(1) معاني القرآن 2: 207.
(2) الآية 55 من سورة النور.
(3) معاني القرآن للفراء 2: 258.
(4) الآية 49 من سورة النمل.
(5) معاني القرآن للفراء 2: 296.