تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جملة استئنافية تعليلية، بيّنت سببَ ضلالهم وخسارتهم، وأَنَّ ذلك باختيارهم، لا بأمر من الله؛ لأن اللهَ لا يأمر بالفحشاء، بل بالحق، والعدل، والفضيلة.

والصَّحابةُ الكرام - رضي الله عنهم - قد عاشوا فترةَ الوحي وسألوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن كل شيء أشكلَ عليهم. وفي تاريخهم المشرق ما يدلُّ على فَهْم عميق للقضاء والقدر، فعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو الشديدُ في الحق، أُتي بسارق توفرت فيه شروطُ قطع اليد، فأمر عمر بقطع يده، فاستعطفه مُدَّعياً أنه لم يسرقْ قبلها قط، وأنه تاب، ولن يعود لمثلها أبداً، وأُقيم عليه الحد، فلحق به سيدنا علي - كرَّم الله وجهه - وقال له: إنَّ الذي أعرفه من عدالة الله ورحمته أنه لا يأخذ العبدَ من أوَّل ذنبٍ، فأسألك بالله أن تصدقني، فأجابه: لقد سرقت قبل هذه عشرين مرة أو أكثر، فلم أَرْعَوِ، ولم أزدجر حتى وقعتُ فيما أستحق من عقاب.

ألا ما أعدل الله في حكمه وخلقه! وما أجهل الإنسانَ وما أظلمه!:

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]

وسيدنا علي - رضي الله عنه - أُتي بسارق فسأله: لِمَ سرقتَ؟ ظانًّا أن له عذراً يخفّف عنه. فأجاب السَّارق: قضاءً وقدراً. فظهر الغضبُ على وجه أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - وقال: «اقطعوا يدَه لأنه سرق، واجلدوه ثمانين جلدةً لأنه افترى على الله الكذب، فالقضاء والقدر لا يسلبان من العبد الاختيار، ولا يوقعانه في حيّز الاضطرار».

وفي هذه القصة تأكيدٌ على حرية الإنسان في التصرف، وأنه مسؤولٌ عن قوله وعمله.

ولعلَّ من الجميل هنا أن نذكرَ قولَ سيدنا علي - رضي الله عنه - أيضاً: «من اتَّهم مسلماً بفاحشة - أي: قذفه بها - أقمتُ عليه حدَّ القذف ثمانين جلدة إن لم يأت ببيّنة، فإن اتهم رسولاً أو نبياً جلدتُه مئة وستين جلدة» أي: ضاعفت له العقوبة؛ لأن الرسلَ والأنبياء قدوة معصومون، وفي الطعن بهم كذبٌ، وافتراء، وتضليل للناس، وإفساد للأمة.

ففي سورة ص الآية [82 و 83] على لسان إبليس:

﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82 - 83]

والرسل والأنبياء هم أول العباد المخلَصين.

وفي سورة يوسف [24]:

﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾

فالشيطانُ يقرُّ أن لا سلطانَ له على أهل التقوى، والإيمان، والإخلاص ولاسيما الرسل والأنبياء. وصدق الله العظيم:

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99]

ولقد حرَّف اليهودُ التوراةَ، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واتَّهموا الأنبياءَ والرسل، بما لا يليقُ بهم خُلقاً، وعقلاً، وافتروا على الله الكذبَ، ودسّوا من الإسرائيليات المضلّلة المنحرفة الكثير؛ مما ينبغي التنبه له، ورفضه، وشجبه، وإنكاره، حيث قرأته، أو سمعته أو وجدته، حِرْصاً على الحقيقة، وحفاظاً على أخلاف الأفراد والأمم.

ولو رجعتَ إلى الأصول والنصوص الصحيحة لرأيتَ عصمة الرسل والأنبياء حقاً لا ريب فيه، فهم:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [الأحزاب: 39]

أمَّا المصيبةُ فهي من الله تعالى، ولكنها تصيبُ الإنسانَ لحكمةٍ أرادها الله:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22 - 23]

وكلمة ﴿لِكَيْلا﴾ تفيدُ التعليلَ، فما من مصيبة إلا بسبب، ولها عند الله هدفٌ معلومٌ، وأجل مسمَّى، وحكمة بالغة، تظهر للمتبصرين، وتَخفى على الغافلين.

وفي سورة النساء [78]:

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾

لقد جرتْ عادةُ الناس قديماً وحديثاً أنهم إن نالوا خيراً، أو فازوا به، قالوا: هذا كله من عند الله، وإن نزل بهم شر، أو أصابهم سوء عقاباً لهم على ضلالهم وانحرافهم، نسبوا ذلك لمن يكرهون أو يحسدون، وقالوا له: هذه من عندك. وهذا بعضُ ما قاله الكفار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الآية الكريمة، فردَّ اللهُ تعالى عليهم، مُبَيِّناً أنهم قومٌ جاهلون، لا يفقهون، ولا يدركون الحقائقَ لعدم إيمانهم اليقيني، إذ لو كمل إيمانُهم لعلموا، وأيقنوا أَنَّ كلاًّ من الحسنة والسيئة من عند الله وحده، فَهُو سبحانه يجزي المحسنين خيراً مما عملوا، ويجازي المسيئين بمثل ما أساؤوا، زجراً وردعاً لهم في الدنيا، وجزاءً وفاقاً في الآخرة. فأنت تقرأ في سورة النجم [3]:

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

وفي سورة التحريم [7]:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

وفي سورة سبأ قصَّة قومٍ عاشوا في نعيم كبير، فكفروا بأنعم الله، وتحاسدوا وتباغضوا، وأعرضوا عن الله وشريعته، فهدم الله عليهم سدَّ مأرب، وأرسل عليهم سيلَ العرم، فتفرقوا أيادي سبأ، وتشتَّتوا في البلاد، ومُزّقوا كلَّ مُمَزَّق. لِمَ كان ذلك العذاب؟ كان بسبب كُفرهم:

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17]

وفي سورة يس يذكر لنا اللهُ تعالى أنَّ أصحاب قرية - والأغلب أنها إنطاكية - جاءها المرسلون، فكفروا بهم، وقالوا لهم:

﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: 18]

أي: تشاءمنا منكم؛ لانقطاع المطر عنا، ونزول القحط والبلاء بنا. فكان جوابُ المرسلين لهم:

﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: 19]

أي: إنَّ كُفْركم وإعراضكم عن الله والحق هو سببُ ما حلَّ بكم من سوء، وبلاء، فأنتم لا تهتدون - وإن ذكرتم - لأنكم ضالُّون، مسرفون، مصرُّون على ذلك.

وآية سورة النساء [78] التي شرحناها، لو تابعنا التلاوة لقرأنا بعدها الآية [79]:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

فالحسنةُ من الله تعالى وبفضل منه:

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: 4]

والسيئة ذات شطرين:

1 - سبب.

2 - وعقوبة.

فأما السَّببُ فهو من العبد؛ لكفره، وظلمه، وإعراضه:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]

وأما العقوبةُ فهي من الله تعالى:

{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً

القضاء والقدر · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٧