الفصل السادس
إزالةُ اللّبس في فهم بَعْض
الآيات القرآنية الكريمة
والأحاديث النبوية الشريفة
أولاً: قوله تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: 16]
فهذه الآيةُ: لابُدَّ لفهمها من معرفة المفعول الثاني لأمرنا الذي يأتي غير صريح، أي: يأتي بصيغة الجار والمجرور.
تقول: أمرت ولدي بالدراسة، أمرته بالتقوى، ولقد فسرت هذا المفعول الثاني المحذوف عدة آيات أخرى منها:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]
فيصير معنى الآية: إذا أردنا أن نهلك أمةً طغت، وبغت، أمرنا الكبراء، والمترفين، وذوي التأثير على غيرهم بالتقوى والاستقامة، بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، بالرجوع إلى الحق، فإن فعلوا نجوا، وإلا فقد حقَّ عليهم القولُ، والعقاب العادل، بعد صبر عليهم طويل، فدمرناهم تدميراً.
والحذفُ في القرآن الكريم كثيرٌ، وهو من الإعجاز، فارجع إلى كتابي (نظرات في كتاب الله تعالى) تجدْ في ذلك بياناً.
ثانياً: قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52]
وفَهْم هذه الآية يتوقَّفُ أيضاً على حذف المفعول به، ومعناها: ما من رسول ولا نبي قبلك إلا لاقى من قومه المعاندين الخصومة، والعداوة، والمكر، والكيد. فإذا تمنى لقومه: الخير، والإيمان، والإسلام، والهداية، والسير في طريق الحق، ألقى الشيطانُ في طريق تلك الأماني تحقيقها: العقبات، والسدود، والمعوقات، والشبهات، والافتراء، فينسخُ اللهُ ما ألقى الشيطانُ، ويحكم الله آياته، وينصر الحق على يد أنبيائه ورسله، والله عليم حكيم.
ثالثاً: قوله تعالى:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29]
وفَهْمُ هذه الآية يتوقَّفُ على معرفة علم البلاغة والبيان. فاللام في قوله تعالى ﴿فليؤمن﴾ هي لام الأمر، واللهُ يأمرُ بالإيمان، ويرضى عن أهله.
واللام في قوله تعالى: ﴿فليكفر﴾ هي لام الأمر، والله لا يأمرُ بالكفر، ولا يرضى عن أهله، ولكن هذا الأمرَ خرج عن معناه الأصلي إلى التهديد، كما يخرج إلى معان أخرى. ودليل التهديد هنا تتمة الآية:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾
وليس في الآية تخييرٌ كما ظنَّ بعضُ مَن كتب فيها؛ لأن أداة التخيير في الأصل هي (أو) لا الواو، ثم إنَّ التخييرَ يكونُ بين أمرين كلاهما حسن، فإن لم يتيسر أحدُهما فعلت الثاني، ولا يعقل أن يخيّرنا الله بين الإيمان والكفر، فالإيمان حقُّ، وخير، والكفر باطل، وشرّ.
وإنما دعا للمساواة، والعدل، والفضائل، وقال: هذا هو الحق الذي ارتضاه اللهُ لعباده. فمن آمنَ بالله، وسار على النَّهج الذي ارتضاه، فقد نجا، ومن رفض ذلك، وكفر، فقد هلك، والنار مثواه، والمهل الذي يشوي الوجوه شرابه، فالله قد أمر في الآية بالإيمان، وهدَّد من يكفر بشديد العذاب، وأليم العقاب.
ولذا فلا يجوزُ لأحدٍ أن يفسِّر كتابَ الله تعالى وأحاديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد أن يطَّلع على جميع العلوم الشرعية ويتقنها ومنها؛ اللغة العربية: نحوها، وصرفها، وبلاغتها، وفقهها، وأساليب العرب في كلامهم، فإن جهل ذلك أو تجاهله جاءنا بالطامّات، والمضحكات، والضلالات، كما فعل الكثير ممن لا باعَ لهم في فَهْم اللغة العربية، والعلوم الشرعية - هداهم الله، وردّهم إلى جادة الصواب قبل أن يموتوا؛ فيصبحوا من الخاسرين النادمين -.
رابعاً: والحديث الشريف: «اعملُو فكُلٌّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له» (1). يعني أن العبدَ يجدُ التيسيرَ حين يسيرُ في طريقٍ ما فطر عليه من حبّ الإيمان، وكُرْه الكفر، والفسوق، والعصيان. يجد التيسيرَ إذا آمن، واتقى، وأعطى من ماله، وجهده، وخبرته، وجاهه، وعلمه كلَّ من يحتاجُ إلى ذلك، وصدَّق بالحق وتمثله في حياته.
ففي سورة الليل [5 - 7]:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
فإن فَعَلَ عكسَ ذلك، فإنه واجد ضيقاً وعسراً، وفي سورة الليل [8 - 10]:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
ولا شك أن أعمال، وأفعال، وأقوال العبد محصيّة عليه، يجدُ أَثرَها في الدنيا من خير أو شر، وثوابها أو عقابها في الآخرة:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8]
وفي الحديث القدسي الشريف: «يا عبادي! إنما هي أعمالُكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمدِ الله، ومن وَجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه» (2).
ولذا فقد كان بعضُ الصالحين يقول: «إني لأعصي الله فأجد عقوبتي في جموح دابتي، وخُلُق زوجتي وولدي».
ومن استقام كما أمر الله تعالى، فإنَّ الخيرَ الذي سيجده لن يستطيعَ إحصاءه لكثرته في الدنيا والآخرة، ولعلّ هذا معنى الحديث الشريف: «استقيموا ولن تحصوا» (3).
وإنما دعاني لِشَرْح المراد من حديث: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له» ما أسمعه من عامَّة الناسِ الجاهلين حقيقة القضاء والقدر، حيث يذكرون الحديث، ويستشهدون به حين يرون عاصياً يكتسب من فعل حرام، أو يفعل المعاصي والموبقات، فاللهُ خلَقَ الخَلْقَ ليعبدوه لا ليعصوه، وأمرهم بالطاعة، ونهاهم عن المعصية، وصدق الله العظيم:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وما أسوأ الذين يلتمسون للعاصي أو لأنفسهم - إن عصوا - العذر، ويستشهدون لذلك بآية، أو حديث، لا يعرفون معناهما، فيغرون الناس بالمعاصي، ويظلمون الحقَّ، ويفسدون المجتمع، فليتقوا الله، وليقولوا قولاً سديداً.
فلنعلم أنَّ المرأة إذا عملت في ساحة ما خُلقت له؛ كأم صالحة، أو زوجة مخلصة كريمة، أو طبيبة، أو ممرضة، أو خياطة، أو معلمة للنساء، أو مربية للأطفال، وجدت هي وقومها التيسير والهناء والتوفيق، فإذا انطلقت من حدود الشرع والفضيلة، وآثرت الهوى على الهدى، وجدت هي وقومها الراضون عن ذلك كلَّ تعسير وشقاء، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الفصل السابع
السُّنَن الكونية والسُّنَن الاجتماعية
قال تعالى في سورة فاطر [43]:
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾
والسُّنَّةُ - هنا - تعني القانون الإلهي المطرد، الثابت، الذي لا يتخلف إلا لحكمة إلهية بالغة كالمعجزة، فقد يتخلف قانون مادي تأييداً لرسول أو نبي، أو حماية له، كما حمى الله إبراهيم عليه السلام من كيد وأذى المشركين، فقال للنار التي أضرموها:
﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]
فأذنت لربها وحقَّت، فكانت كمَا أمرها برداً وسلاماً، فلم يُصَب إبراهيمُ بأذى، وخرج منها سالماً.
والسننُ الاجتماعية لا تتخلف أبداً، وحاجةُ المسلمين إلى فَهْم هذه السنن بنوعيها: الكوني والاجتماعي - وهي النواميس المادية والمعنوية - حاجة ماسة، ولاسيما في هذا القرن، قرن العلم، والمعارف المادية والاجتماعية الجديدة.
قوله تعالى في سورة يس [37 - 40]:
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
وأمثلة السنن الاجتماعية في القرآن الكريم كثيرة لعل أبرزها قوله تعالى:
1 - في سورة البقرة [229]:
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
2 - وفي سورة النساء [123]:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾
(1) رواه الطبراني.
(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
(3) رواه أحمد ومالك وابن ماجه.