عليك لا لك».
أي: تشغل به، ولا تهتم بشؤونك.
وكلُّ هذه النصوص والنصائح دليلٌ على وجوب حُسْن الاختيار، وأنَّ الإنسانَ بيده - وهو مختار، حرُّ التصرف - أن يفوزَ، وأن يظفرَ بالأفضل لو أراد وسعى، فإن أهمل ضلَّ وغوى، فخاب وخسر.
وبما أنَّ الخاطبَ والمخطوبةَ لا يعرفُ كلٌّ منهما الأمور الغيبية، كالعمر، ونيّة القلب عند الآخر، ومستقبل الأيام معه؛ ذلك لأن معدن كلٍّ منهما لا يظهرُ على واقعه إلا بعد الزواج، فالأكثرون يتصنَّعون ويتكلَّفون قبل الزواج ما ليس فيهم؛ ليقنع الطّرف الآخر فيوافق، حتى إذا تمَّ الزواجُ عاد كلٌّ إلى طبيعته وعاداته، وقد لا تروق للجانب الآخر فيقع الخصام، وقد يطول فيؤدِّي إلى الطَّلاق.
ومن أجل سلامة كلٍّ منهما من الوقوع في ساحة الندم، فقد شُرِعَتِ الاستخارةُ، حيث يستخيرُ كلٌّ من الزوجين ربَّه عالمَ الغيب والشهادة، داعياً، ومُتضرِّعاً، وراجياً أن يرشدَهُ اللهُ تعالى إلى الخير والسلامة، فإن كان في ذلك الزواج خيرٌ له في دينه ودنياه وآخرته تمّمه الله، وبارك فيه، وإن كان غير ذلك صَرَفه عنه، وقدّر له الخيرَ في غيره. يدعو ذلك بعد ركعتين هما سُنَّةُ الاستخارة، والله يرشدُ عبده لما فيه خيره.
والمؤمنُ الصَّادقُ الصالحُ يرى في كلِّ ما يقدِّره اللهُ له خيراً، فإنْ أُعطِيَ رضي وشكر، وإن مُنِع رضي وصبر. فهو راضٍ. في كلتا الحالين، في السراء والضراء. ومن كان مع الله كان اللهُ معه، فيسَّر أموره، وشرح صدرَه، وفتح أمامه أبوابَ الخير، وأغلق أبوابَ الشر:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: 30]
الفصل التاسع
هل الإنسان مُسَيَّر أم مُخيَّر؟
وبعد هذه الرحلة الملخَّصة الممتعة مع القضاء والقدر في طريق شيِّق شائك، تمتعنا بوضوحه، وأزلنا شوكه، ووضّحنا ما خفي على العامة، وما يبحث عنه الخاصة، قطعناه على بصيرة وبصر، وفكر، وتعقّل، ونظر؛ فربَّ سائل يقول:
ألا تلخّص لنا فتخبرنا: هل الإنسانُ مُسَيَّر أم مُخَيَّر؟ أم ماذا؟
والجواب أنَّ من الخطأ أن نقول: إنه مخيَّر في كل شيء كما أن من الخطأ أن نقولَ: إنه مُسيَّر في كل شيء، ولعلَّ الوسطيةَ في الجواب هي الصواب.
إنه مسيَّرٌ في أمور، مُخَيَّر في أمور أخرى.
والآية القرآنية في سورة الرعد [15]:
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [الرعد: 15]
تفتح أمامنا آفاقاً لهذا الجواب، بإشارة النص، فالإنسانُ مُسَيَّرٌ فيما:
1 - كان فيه، كلون بشرته، ودقّات قلبه، وطول قامته، وعمل أجهزته في جسمه كالهضم و ... ولو كان نائماً رحمةً به، ولطفاً.
2 - أو عليه ككونه وَلَد فلان وفلانة، ولد في بلدة (كذا)، وسيموت في بلدة (كذا) يوم (كذا) بعد عمر مقداره (كذا)، لا يملك الإنسانُ أن يغيّر، أو يبدّل، وليس وراء هذا التسيير مسؤولية؛ لأنها أمورٌ فُرضَتْ عليه لحكمةٍ، ورحمةٍ، وليس للإنسان في هذا ثوابٌ، ولا عليه عقاب، إنما يُثابُ إذا شكر الله وحمده على نعمه، ويُعاقب إذا أنكر فضل الله عليه.
والإنسان مُخيَّر فيما صَدَر منه، وعنه، من قول، أو عمل، عن إرادة واختيار - وهو راضٍ بذلك - وقد رتَّب اللهُ تعالى على ذلك مسؤولية، فيثاب صاحبُها إن أحسن، ويُعاقب إن أساء؛ لأن مفتاحَها بيد الإنسان، فإن نازعتْهُ عينُه للنظر إلى حرام، فهو قادر أن يغضَّ طَرْفَهُ وينصرف.
وإن نازعه لسانُه للتكلم فيما يحرم، فهو قادر أن يضمَّ شفتيه، ويغلق فمه، وينصرف.
وقسْ على ذلك اليد، والرجل، وبقية الأعضاء والحواس، فهو قادرٌ أن يكفّها عن كلِّ معصية وحرام، وأن يُلْزِمَ نفسَه الطاعةَ والحلال، ما دام حرَّاً، مختاراً، راضياً، غَيَر مُكْرَه.
قال سيدنا علي كرم الله وجهه، ورضي عنه:
«إنَّ الله أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلَّف تيسيراً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولم يُرْسِل الرسلَ إلى خلقه عَبَثاً، ولم يخلق السموات والأرضَ وما بينهما باطلاً، ذلك ظنُّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار».