وعلى كل مسلم أن يوقنَ أن ليس هناك فوضى في تلك السنن، بل هي سننٌ ثابتة قائمة، تأخذ مجراها في حياة الناس جميعاً، فما أصاب الأمم السابقة الهالكة فسيصيبنا إن سلكنا سبيلها نفسه. ففي غزوة أحد لما خالف الرماة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - تحوَّل النصرُ إلى خسارة. ولما تساءلوا: لم خسرنا؟ جاء الجواب الإلهي في آل عمران:
1 - [128]:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
2 - [152]:
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
3 - [165]:
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وأنت تقرأ في سورة الأنفال [53]:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
ولكن مشكلتنا اليوم في التَّجاوب مع كتاب الله الكريم، والتعامل معه، كالعاصي يستمعُ إلى آيات جهنم، وما سيلقى فيها الكافرون والعصاة من شديد العقاب والعذاب، فيطرب لصوت القارئ، ويضرب صفحاً، أو يتعامى، أو يتجاهل وعيد الله لدفعها.
وما رأيت أمةً أهلكها شيء كجهلها للحقائق، ولا علة قضَت على الأمم على مدى الدهور والعصور كإهمالهم العمل بما يعلمون. فمتى ندركُ أن الإسلام حركةُ إنعاشٍ وإصلاح للحياة إذا شردت فنصلح أنفسنا، لتصلح أقوالنا وأعمالنا، ونسعد في الدنيا والآخرة؟
فلي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليستْ بذاتِ قُروح؟!
الفصل الثامن
تصحيح فَهْمٍ خاطئ
يُقْبِلُ كثيرٌ من الشباب على أمورٍ كثيرة دون وعيٍ ولا بصيرة، فهذا يقودُ سيارته برعونة وسرعة جنونية، فيعرِّض نفسَه وغيره للخطر الماحق، وكم من شاب بعمر الورود ثكلته أمه إثر حادث أليم! والناس يقولون: «هذا نصيبه - قضاء وقدر ... » وكأنهم لجهلهم بحقيقة الدين يلتمسون لرعونته وانتحاره عُذْراً، وهذا انتحارٌ بلا ريب، وإذا قتل غيره فأرى أن يُعتبر القتل عمداً، لأنه سَلَكَ طريقاً يؤدِّي إلى قتل نفسه، أو قتل غيره، أو قتلهما معاً، ولو عُوقب أمثال هذا الشاب الأرعن عقوبةَ مَن قَتَلَ عمداً - إذا قتل - لامتنعَ الشبابُ الطائش، التائه، الشارد، العابث عن الرعونة، والحمق، ولسلمتْ أرواحُ الناس، ودماؤهم، وأموالهم، من الخطر، أو التلف، والضياع:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]
فالمجتمعُ العاقلُ، السليمُ، يقيمُ القصاصَ، ويعاقب المجرم والمسيء ليتقي الجريمة والأخطار، ويحمي الجميعَ من مفاسد الأشرار.
فذاك شابٌ يقدمُ على خطبة فتاة استهواه حديثُها المزيَّف، أو شكلها الفاتن؛ الذي أعطته المساحيقُ والزينةُ غير حقيقته، دون أن يدرسَ خُلُقها وخُلُق أهلها، ودون أن يرعى التناسب المطلوب بينهما في السن، والثقافة، والجمال، والطول، والحال الاجتماعية، والعادات، والتقاليد، و ...
ينصحه أبواه بالخير، ويبصّرانه بالأمر، فيعرض عنهما، ويتبع هواه، فإذا لم يفلح ذلك الزواج - وهو الغالبُ - عضّ على يديه نادماً. ولات ساعة مندم، فقال أو قال الناسُ: «نصيب، لا تلوموه ... ».
والنصيبُ هو الذي يناله الإنسانُ بعد أن يسدّد إلى هدفٍ ما بعناية، وبصر، وبصيرة، وتمحيص، وتدقيق، فإن أحسنَ التسديدَ أصاب ما يريد، وكان النصيبُ خيراً، وإن تعامى، أو تجاهل، أو أعرض عن الوجهة السليمة، ورمى السهمَ عن طيش، ورعونة، وهوى، لم يصب خيراً، وكان الندم والخسارةُ عاقبة أمره:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81]
والله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَا بالحذر، وأَخْذ الحيطة، وحماية النفس، وحُسْن الاختيار، والتسديد، ليظفر الإنسان بخير ما يريد.
ففي القرآن الكريم:
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71]
﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: 29]
وفي الحديث الشريف:
«تخيَّروا لنطفكم، وأنكحوا الأَكْفَاء» (1).
«إذا أتاكم مَن ترضون دينه وخُلُقه فزوِّجوه، إلاَّ تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض» (2).
«تُنكح المرأةُ لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها، فاظفرْ بذات الدِّين تربتْ يداك» (3).
أي: افتقرت إن لم تظفر بذات الدين. والظفرُ يأتي بعد حُسْن الاختيار، وهذا يتطلَّبُ وعياً، ودراسة، وفهماً، واستشارة لأهل الوعي، والخبرة، وأناةً، وحلماً، وحُسْن تسديد، ليتحقق الظفر بخير النساء.
«هَلاَّ بكراً تلاعبها وتلاعبك» (4).
أي: هلا تزوجت بكراً ... وفي الحديث حثّ على اختيار الأفضل، وحُسْن الانتقاء؛ فإن «الأبكار أعذب أفواهاً، وأَنْتَق أرحاماً، وأرضى باليسير»، كما ورد في الأثر (5).
وقد نصح صالحٌ حكيمٌ ولدَه فقال:
«يا بني! إياك والجمالَ البارعَ، فإنه ما فاق الجمال إلا لحقه في العرض مقال.
وأنشد:
ولن تمرَّ بزرعٍ مونقٍ أبداً ... إلا وجدتَ به آثارَ منتجع
فإذا ظفرتَ به فاستره، وحافظ عليه، واحمه من النظرة الطائشة، والكلمة الفاحشة، ومن أنظار الناظرين، وطمع الفاسدين».
ألا ترى إلى الجوهرة، أو اللؤلؤة، أو قطعة الماس، تظهرها فيطمع بها الطامعون؟
ونصح آخرُ ولده فقال:
«عليك بالبكر فهي لك، أما الثيب فهي لك وعليك إن لم يكن لها ولد، فإن كانَ من غيرك فهي
(1) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي.
(2) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم.
(3) رواه البخاري ومسلم.
(4) رواه البخاري ومسلم.
(5) رواه الطبراني. «أنتق أرحاماً»: أكثر أولاداً.