تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن أكره الإنسان على ما لا يجوزُ إكراهاً ملجئاً رخّص له - ليحمي نفسه - أن يفعلَ ما أُكْرِهَ عليه، دون أن يوقع ضرراً بأحد، وعليه أن يختصرَ ذلك إلى أقلِّ ما يستطيعُ، فالضرورةُ حين تبيحُ المحظور تقدّر بقدرها زماناً ومكاناً.

فمن نفد زادُه في صحراء قاحلة، وأشرف على الموت، ولم يجد إلا لحم ميتة، أو خنْزير، فله أن يأكل لقيمات يذهبن عنه خطر الموت، ويسأل الله أن يجدَ له فرجاً، قال تعالى في سورة البقرة [173]:

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وقال في سورة الطلاق [2 - 3]:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾

فإن أُكره على الشرك، والقتل، أو الزنا، فالراجحُ والأولى أن يرفضَ، ويعفَّ، ويمتنع، فإن قُتِل مات شهيداً، وذلك حَفاظاً على العقيدة الصحيحة، والأرواح، والأعراض.

وفي سورة الفرقان [68] وصفٌ لعباد الرحمن، منه:

﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾

وياسر وزوجته سُمَيَّه أُكْرِها على الكفر، فامتنعا، فَقُتِلا تعذيباً، فكانا أول شهيدين في الإسلام - رضي الله عنهما - وكان - صلى الله عليه وسلم - يمرُّ بهما، وهما يعذبان في مكة قبل الهجرة، ولا يملك إنقاذهما، فتدمع عيناه، ويقول: «صبراً آل ياسر فإن موعدَكم الجنة» (1).

ولقد صعب الصبرُ على ولديهما «عمار» فنطق بكلمةٍ من كلمات الكفر لينقذ نفسه من العذاب والموت، وجاء إلى النبي ص يبكي ويشتكي، فأنزل الله تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]

وكان عمار مطمئن القلب بالإيمان، فعرف أن الله تعالى أنزل في عذره قرآناً فيه رخصة، فقرّ بذلك عيناً.

وفي ذلك رحمةٌ من الله، ويسر، وعدل، واللهُ عليمٌ حكيم، وتحقيقاً لهذا العدل، واليسر، واللطف الإلهي، ورد الحديث الشريف: «لا طلاقَ في إغلاق» (2). ولعلَّ من الراجح أن يُحْمَلَ على الشمول في معناه، فلا يقع طلاقُ من أُغْلِقَ عليه في إرادته، كأن أُكْرِه على الطَّلاق إكراهاً مُلْجئاً، كما لا يقع طلاق مَن أغلق عليه في عقله؛ كأن كان مجنوناً، أو في حال الإغماء، أو نائماً، أو غضبان غضباً شديداً، لا

(1) رواه الطبراني.

(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.

القضاء والقدر · الصفحة ٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٣١