إدخالَ الإيمان في القلوب وتمكينه فيها هو من عمل الله تعالى وفضله، حين يرى صدق العبد، وإخلاصه، وسلامة نيته في الإقبال على الهدى والإيمان. قال تعالى:
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: 81]
وفي سورة القصص [56]:
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
كما تعني أنَّ الإكراهَ في العقيدة لا يُفيد التابعَ ولا المتبوع شيئاً. وأما قولُه تعالى في سورة الشورى [52]:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أي: إنك لتدلُّ عليه، وتقود إليه، فأنت مبلِّغ مُذكِّر، لا مُسيطرٌ، والله أعلم بالسَّرائر:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21 - 22]
وقد ذكرتُ في كتابي: (نظرات في كتاب الله تعالى) بحثاً ملخّصاً عن معاني الهداية في القرآنِ الكريم، فارجعْ إليه إن شئت.
فإذا استغنى الإنسانُ وأعرضَ عن هُدى الله فقد طغى، وغوى، وخاب، وخسر. ففي سورة العلق [6 - 7]:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
وفي سورة طه [123 - 127]:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾
والعمى في الآية هو عمى البصيرة، لا عمى البصر:
﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]
فتأمَّل.