تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي رواية عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ:أَرَاكَ تُعْتَقُ رِقَابًا ضِعَافًا فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقَتْ رِجَالًا جَلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ.فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:"يَا أَبَتِ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهِ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى."أخرجه الحاكم (1)

قال ابن كثير رحمه الله:"قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق،رضي الله عنه،حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها،وأولى الأمة بعمومها،فإن لفظها لفظ العموم،وهو قوله تعالى:﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقًا تقيًا كريما جوادًا بذالا لأمواله في طاعة مولاه،ونصرة رسول الله،فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم،ولم يكن لأحد من الناس عنده منّةٌ يحتاج إلى أن يكافئه بها،ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل؛ ولهذا قال له عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف،يوم صلح الحديبية-:أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة،فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل،فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال:﴿ وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أنفق زوجين في سبيل الله دَعَته خَزَنَةُ الجنة:يا عبد الله،هذا خير"،فقال أبو بكر:يا رسول الله،ما على من يُدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال:"نعم،وأرجو أن تكون منهم" (2) .

(1) - برقم(3942) والطبراني برقم(3) والبزار برقم(2209) والشريعة برقم(1262) وفضائل الصحابة برقم(61و275) وابن عساكر 30/69 و70و71 وهو حديث صحيح لغيره.

(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة - (8 / 422) والحديث في صحيح البخاري برقم (2841) وصحيح مسلم برقم (1027) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في فضائل الخلفاء الراشدينص ٥٧