وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ:﴿ يَا أَبَا بَكْرٍ،مَا ظَنُّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهَا ؟ ﴾ وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ عُظْمَى،وَفَضِيلَةٌ شَمَّاءُ،لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ ثَالِثُ اثْنَيْنِ،أَحَدُهُمَا أَبُو بَكْرٍ،كَمَا أَنَّهُ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ:﴿ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ .
وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى وَبَنِي إسْرَائِيلَ:﴿ كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .
قَالَ لَنَا أَبُو الْفَضَائِلِ الْمُعَدِّلُ:قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ مُوسَى:﴿ كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ وَقَالَ فِي مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ:﴿ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ .
لَا جَرَمَ لَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَ مُوسَى وَحْدَهُ ارْتَدَّ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ،فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ،وَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ .
وَلَمَّا قَالَ فِي مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - :إنَّ اللَّهَ مَعَنَا،بَقِيَ أَبُو بَكْرٍ مُهْتَدِيًا مُوَحِّدًا،عَالِمًا عَازِمًا،قَائِمًا بِالْأَمْرِ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ اخْتِلَالٌ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ:﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾:فِيهِ قَوْلَانِ:أَحَدُهُمَا:عَلَى النَّبِيِّ .
الثَّانِي:عَلَى أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا:وَهُوَ الْأَقْوَى؛لِأَنَّ الصِّدِّيقَ خَافَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْقَوْمِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ؛لِيَأْمَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَكَنَ جَأْشُهُ،وَذَهَبَ رَوْعُهُ،وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ،وَأَنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَ ثُمَامِهِ،وَأَلْهَمَ الْوَكْرَ هُنَالِكَ حَمَامَهُ،وَأَرْسَلَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا،فَمَا أَضْعَفَ هَذِهِ الْجُنُودِ فِي ظَاهِرِ الْحِسِّ؛وَمَا أَقْوَاهَا فِي بَاطِنِ الْمَعْنَى .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعُمَرَ حِينَ تَغَامَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ:﴿ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي،إنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَالُوا كَذَبْت،وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:صَدَقْت ﴾
وَمِنْهَا:أَنَّهُ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ فِي مُقَابَلَةِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعَ،فَقَالَ:﴿ إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِصَاحِبِهِ فِي الْغَارِ،بِتَأْنِيسِهِ لَهُ،وَحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ ﴾ [ وَوَفَائِهِ لَهُ ] بِوِقَايَتِهِ لَهُ [ بِنَفْسِهِ ]،وَبِمُوَاسَاتِهِ بِمَالِهِ،وَكَذَلِكَ رُوِيَ { أَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ،فَوُزِنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْخَلْقِ