البيت ورعاية الحجيج،لكن أهل البلد الحرام أشرك كثير منهم بالله وحاربوا رسوله،فأخذ الله منهم مكة عام الفتح وأعطاها لخاتم أنبيائه ولأمته من بعده إلى يوم القيامة،فزال سلطان الكفر السياسى عن مكة،وحُطّمت الأصنام تحطيما.. لكن لم يزل البيت مَشاعا والحج مَشاعا،فيحج من يشاء كيف يشاء،والنبى فى حاجة إلى أن يقر هذه الفريضة الجليلة،ويعلّم الناس مناسكهم بعيدا عن عادات الشرك والمشركين،فاختار وزيره الأكبر أبا بكر ليؤدى مهمة إنهاء كل مظهر جاهلى وضعه المشركون فى أعمال الحج،ليحج بهم - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع على طهارة ونقاء..
وراح أبو بكر يلبس للحج ثيابه،"وخرج من المدينة يسوق الهَدْى أمامه،مولّيا وجهه شطر المسجد الحرام"،وخرج بعده على بن أبي طالب يركب العضباء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحمل إلى الحجيج من النبى الخاتم رسالة تثبّت التوحيد وتزيل كل وثنية،فلما أدرك على أبا بكر فى الطريق سأله الصديق بأدب:أمير أم مأمور؟ فقال له ابن عم رسول الله:بل مأمور! فمضوا لا تنافس بينهم على دنيا،بل سباق فى طاعة الله ورسوله..
وصافحت عيون المسلمين يقودهم أبو بكر بيت الله الحرام وبلده الأمين،وراح على يبلّغ رسالة النبى إلى الناس وهم فى منى،فيقرأ عليهم صدر سورة التوبة التى "أجهزت على الوثنية فى بلاد العرب"،وينادى فيهم:"أنه لا يدخل الجنة كافر،ولا يحج بعد العام مشرك،ولا يطوف بالبيت عُريان.."
وراح القائد أبو بكر يساعد عليا فى مهمته،فينادى فى الناس بمثل ندائه،ونادى معهما صحابة آخرون كأبي هريرة،وكلَّ مرة يرتفع فيها الصوت يموت من الوثنية شيء،حتى قضى أبو بكر بالناس مناسكهم،وأصبح الحج فى منظره التوحيدى خصيما لكل ما له بالوثنية تعلق!
بدأت المهمة النبوية تكتمل،فاكتمل الدين،وتم البلاغ،وعز الإسلام،وملأ جزيرة العرب بنوره،وقد آن للفارس العظيم أن يستريح،ويخلّف دار المتاعب وراء ظهره.. وها هو المرض يزور الجسد الشريف الذى أتعبته الحياة،وضاقت على قلبه أنحاؤها،حتى أتى بلالٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْلمه بدخول وقت الصلاة التى يحبها ويستريح قلبه بندائها،فلم