وكانت الصحبة والهجرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث سخر أبو بكر نفسه وماله وأهله لإنجاح الرحلة وحماية الدين،فشهد مواقف الخلود فى الغار،وفى الطريق إلى يثرب "المدينة"،وكانت هذه أعظم صحبة فى التاريخ.
لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأنس بأحد مثل أنسه بالله تعالى،فكان يُرى فى ليله قائما،وفى نهاره صائما،شاغلا لسانه وقلبه على كل حال بذكر مولاه،فذاك طعام قلبه وشرابه وهواؤه الذى يتنفسه.. وفى رحلة الهجرة الصعبة بقى القلب النبوى على أنسه بالله وثقته به،غير أنه اختار واختار الله له واحدا من أصحابه،يهاجر معه،ويعيش فى رفقته التجربة الخالدة نيابة عن أمته.. فهل يكون هذا الصاحب هو على بن أبي طالب بقرابته من رسول الله ونشأته بين يديه؟ أم حمزة عم رسول الله،وفارس قريش الشجاع؟ أم عمر بن الخطاب:ذلك الرجل القوى فى الجاهلية والإسلام؟
إن الرحلة رحلة الهجرة بما فيها من صعوبات هائلة ومخاطر جمة كثيرة فى حاجة إلى يقين فى الله وحب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من حاجتها إلى أى وصف أو شرط آخر،ومن يكون أقوى الناس فى هذا من أبي بكر الصدّيق بدرِ الصحابة ونجمهم الوضّاء؟!
ذهبت ليلة وليال،وأتى نهار ونهارات،والأصحاب يهاجرون،منهم من يخفى هجرته ومنهم من يعلنها،ومنهم من ينجح فى الخروج ومنهم من يحبسه قومه،وأبو بكر يتمنى لو أذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الهجرة كبقية إخوانه،لكن النبى يستمهله:"لا تعجل،لعل الله يجعل لك صاحبا".
وذات ظهيرة،وفى ساعة تخلو فيها طرقات مكة وسككها من المارة،أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فى داره،وفطن الصديق إلى أن الذى أتى برسول الله فى هذه الساعة إنما هو أمر كبير،فأعد نفسه للإنصات وجهز قلبه وجوارحه للطاعة،وفى نفسه أمل لعل الله يحققه له الآن!! وفى حوار ملائكى بين القلوب بكى أبو بكر بين يدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره بإذن الله له بالهجرة،وبأنه سيكون رفيقه فيها،ألا فلتبكِ أبا بكر فرحا بتحقق الأمل،ولتقل والدموع تملأ عينيك:"الصحبة يا رسول الله."؟!