كَالطُّوسِيِّ وَأَمْثَالِهِ، هُمْ الْحُكَّامُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَكَذَلِكَ وَزِيرُهُمْ السَّفِيهُ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ، يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَيُقَدِّمُ شِرَارَ الْمُسْلِمِينَ كَالرَّافِضَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافِقَةً لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالْقَرَامِطَةِ، وَالْمَلَاحِدَةِ، وَالرَّافِضَةِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إنَّ وَزِيرَهُمْ هَذَا الْخَبِيثَ الْمُلْحِدَ الْمُنَافِقَ صَنَّفَ مُصَنَّفًا مَضْمُونُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَضِيَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَذُمُّونَ، وَلَا يَنْهَوْنَ دِينَهُمْ، وَلَا يُؤْمَرُونَ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْإِسْلَامِ وَاسْتَدَلَّ الْخَبِيثُ الْجَاهِلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:1] ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:2] ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:3] ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون:4] ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:5] ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:6].
وَزَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْضَى دِينَهُمْ، وَقَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، وَجَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا جَهْلٌ مِنْهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ دِينُ الْكُفَّارِ حَقًّا وَلَا مَرْضِيًّا لَهُ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَبْرِئَةٍ مِنْ دِينِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذِهِ السُّورَةِ إنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ الشِّرْكِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:41].
فَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:6] كَقَوْلِهِ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ. وَقَدْ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ حَيْثُ قَالَ: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِ دِينِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَأَنَّهُ جَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَافِرُونَ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ.