تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه قد أفسد عمله، ولا يجوز توليته، فعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» (1)

وعَنِ الحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (2)

ومن هؤلاء من إذا لم ينل ما يريد تمرد على الطاعة وفارق الجماعة، وهذا من النفاق، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:58]،وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:" ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى

(1) - صحيح مسلم (3/ 1456) 14 - (1733)

[ش (حرص) حرص بفتح الراء وكسرها والفتح أفصح وبه جاء القرآن قال الله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين]

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ لَا يُوَلَّى مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ أَنَّهُ يُوكَلُ إِلَيْهَا وَلَا) تَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ السَّابِقِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ إِعَانَةٌ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا وَلَا يُوَلَّى غَيْرُ الْكُفْءِ وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلطَّالِبِ وَالْحَرِيصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"شرح النووي على مسلم (12/ 207)

(2) - صحيح البخاري (9/ 63) (7147)

ومَعنَى الحَدِيث أَنَّ مَن طَلَبَ الإِمارَة فَأُعطِيَها تُرِكَت إِعانَته عَلَيها مِن أَجل حِرصه، ويُستَفاد مِنهُ أَنَّ طَلَب ما يَتَعَلَّق بِالحُكمِ مَكرُوه فَيَدخُل فِي الإِمارَة القَضاء والحِسبَة ونَحو ذَلِكَ وأَنَّ مَن حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ لا يُعان. ويُعارِضهُ فِي الظّاهِر ما أَخرَجَهُ أَبُو داوُدَ عَن أَبِي هُرَيرَة رَفَعَهُ"مَن طَلَبَ قَضاء المُسلِمِينَ حَتَّى يَنالهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدله جَوره فَلَهُ الجَنَّة، ومَن غَلَبَ جَوره عَدله فَلَهُ النّار"والجَمع بَينَهُما أَنَّهُ لا يَلزَم مِن كَونه لا يُعان بِسَبَبِ طَلَبه أَن لا يَحصُلَ مِنهُ العَدل إِذا ولِيَ"أَو يُحمَل الطَّلَب هُنا عَلَى القَصد وهُناكَ عَلَى التَّولِيَة"وقَد تَقَدَّمَ مِن حَدِيث أَبِي مُوسَى"إِنّا لا نُولِّي مَن حَرَصَ"ولِذَلِكَ عَبَّرَ فِي مُقابِله بِالإِعانَةِ، فَإِنَّ مَن لَم يَكُن لَهُ مِنَ الله عَون عَلَى عَمَله لا يَكُون فِيهِ كِفايَة لِذَلِكَ العَمَل فَلا يَنبَغِي أَن يُجاب سُؤاله، ومِن المَعلُوم أَنَّ وِلايَة لا تَخلُو مِنَ المَشَقَّة، فَمَن لَم يَكُن لَهُ مِنَ الله إِعانَة تَورَّطَ فِيما دَخَلَ فِيهِ وخَسِرَ دُنياهُ وعُقباهُ، فَمَن كانَ ذا عَقل لَم يَتَعَرَّض لِلطَّلَبِ أَصلاً، بَل إِذا كانَ كافِيًا وأُعطِيها مِن غَير مَسأَلَة فَقَد وعَدَهُ الصّادِق بِالإِعانَةِ، ولا يَخفَى ما فِي ذَلِكَ مِنَ الفَضل. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 124)

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ١٩٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ١٩٣٣