تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَانْكَشَفُوا , فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ هُنَالِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بَغْلَتَهُ , فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ : " أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ . أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ . اللَّهُمَّ نَصْرُكَ " قَالَ : كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ , وَإِنَّ الشُّجَاعَ الَّذِي يُحَاذِي بِهِ "( صحيح)

ــــــــــــــــــــ

54- إيثارُ حبِّ الله ورسوله على كل شيء

قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) ﴾ [آل عمران/31-33]

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِينَ دَعَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كَعْبَ بنَ الأشْرَفِ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ اليَهُودِ إلى الإِيمَانِ ، فَقَالوا : ( نَحْنُ أبْنَاءُ اللهِ وَأحِبَّاؤُهُ ) . فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ ، وَفِيهَا يَأمُرُ اللهُ نَبيَّهُ الكَرِيمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ : مَنِ ادَّعَى حُبَّ اللهِ دُونَ أن يَتَّبعَ شَرْعَ مُحَمَّدٍ ، فَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ ، فَدِينُ اللهِ وَاحِدٌ ، وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ ، وَالأدْيَانُ يَصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضاً وَيُكَمِّلُها .وَجَاءَ دِينُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لِيَخْتِمَ الأدْيَانَ السَّابِقَةَ وَيُكَمِّلَها ، فَلاَ يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِي أحَدٌ حُبَّ اللهِ ، وَهُوَ يَكْفُرُ بِشَرْعِهِ وَمَا أنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِه . وَمَنْ يَتَّبعْ شَرْعَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَيُخْلِصْ فِي ذَلِكَ يُحْبِبْهُ اللهُ ، وَاتِّبَاعِ أمْرِهِ . وَاللهُ كَثِيرُ الغُفْرَانِ لِعِبَادِهِ ، عَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِهِمْ . وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " .

-------------

هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة حَاكِمَة عَلَى كُلّ مَنْ اِدَّعَى مَحَبَّة اللَّه وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَة الْمُحَمَّدِيَّة فَإِنَّهُ كَاذِب فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْس الْأَمْر حَتَّى يَتَّبِع الشَّرْع الْمُحَمَّدِيّ وَالدِّين النَّبَوِيّ فِي جَمِيع أَقْوَاله وَأَفْعَاله كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ " وَلِهَذَا قَالَ " إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " أَيْ يَحْصُل لَكُمْ فَوْق مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتكُمْ إِيَّاهُ وَهُوَ مَحَبَّته إِيَّاكُمْ وَهُوَ أَعْظَم مِنْ الْأَوَّل كَمَا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْحُكَمَاء : لَيْسَ الشَّأْن أَنْ تُحِبّ إِنَّمَا الشَّأْن أَنْ تُحَبّ .

وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْره مِنْ السَّلَف : زَعَمَ قَوْم أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه فَابْتَلَاهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة فَقَالَ " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه "

مَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا لِكُلِّ أَحَد مِنْ خَاصّ وَعَامّ " قُلْ أَطِيعُوا اللَّه وَالرَّسُول فَإِنْ تَوَلَّوْا " أَيْ تُخَالِفُوا عَنْ أَمْره " فَإِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْكَافِرِينَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَته فِي الطَّرِيقَة كُفْر وَاَللَّه لَا يُحِبّ مَنْ اِتَّصَفَ بِذَلِكَ وَإِنْ اِدَّعَى وَزَعَمَ فِي نَفْسه أَنَّهُ مُحِبّ لِلَّهِ وَيَتَقَرَّب إِلَيْهِ حَتَّى يُتَابِع الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ خَاتَم الرُّسُل وَرَسُول اللَّه إِلَى جَمِيع الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس الَّذِي لَوْ كَانَ الْأَنْبِيَاء بَلْ الْمُرْسَلُونَ بَلْ أُولُو الْعَزْم مِنْهُمْ فِي زَمَانه مَا وَسِعَهُمْ إِلَّا اِتِّبَاعه وَالدُّخُول فِي طَاعَته وَاتِّبَاع شَرِيعَته .

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٣٢٧