وهم لا يتقون } كما جعل مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء .وإنها لبيعة رهيبة - بلا شك - ولكنها في عنق كل مؤمن - قادر عليها - لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه . ومن هنا تلك الرهبة التي أستشعرها اللحظة وأنا أخط هذه الكلمات : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ﴾ . .
عونك اللهم! فإن العقد رهيب . . وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم « مسلمين » في مشارق الأرض ومغاربها ، قاعدون ، لا يجاهدون لتقرير ألوهية الله في الأرض ، وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد .ولا يقتلون . ولا يقتلون . ولا يجاهدون جهاداً ما دون القتل والقتال!
ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين - على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم؛ ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم ، أو يحسونها مجردة في مشاعرهم . كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها . لتحويلها إلى حركة منظورة ، لا إلى صورة متأملة . . هكذا أدركها عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - في بيعة العقبة الثانية . قال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( يعني ليلة العقبة ) - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : « أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم » قال : فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال : « الجنة » قالوا : ربح البيع ، ولا نقيل ولا نستقيل .هكذا . . « ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل » . . لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين؛ انتهى أمرها ، وأمضى عقدها ، ولم يعد إلى مرد من سبيل : « لا نقيل ولا نستقيل » فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار؛ والجنة : ثمن مقبوض لا موعود! أليس الوعد من الله؟ أليس الله هو المشتري؟ أليس هو الذي وعد الثمن وعداً قديماً في كل كتبه :﴿ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ . .﴿ ومن أوفى بعهده من الله؟ ﴾ . أجل! ومن أوفى بعهده من الله؟
إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن . . كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله . . إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها : ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه . ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق! . . بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق . . إن دين الله لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية لله وحده . ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق . . بل لا بد أن يقطع عليه الطريق . . ولا بد لدين الله أن ينطلق في « الأرض » كلها لتحرير « الإنسان » كله . ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل