تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من بعده . . وهي الحقيقة الكلية المطلقة في هذا الوجود . حيث لا قوة إلا قوة الله , ولا قدرة إلا قدرته , ولا مشيئة إلا مشيئته . وعنها تصدر الأشياء والأحداث . . ولكن هذه الحقيقة الكلية المطلقة لا تعفي المسلمين من اتباع المنهج , وطاعة التوجيه , والنهوض بالتكاليف , وبذلك الجهد , والتوكل بعد هذا كله على الله: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون)

وبذلك يخلص تصور المسلم من التماس شيء من عند غير الله ; ويتصل قلبه مباشرة بالقوة الفاعلة في هذا الوجود ; فينفض يده من كل الأشباح الزائفة والأسباب الباطلة للنصرة والحماية والالتجاء ; ويتوكل على الله وحده في أحداث النتائج , وتحقيق المصاير , وتدبير الأمر بحكمته , وتقبل ما يجيء به قدر الله في اطمئنان أيا كان .إنه التوازن العجيب , الذي لا يعرفه القلب البشري إلا في الإسلام .

----------

(وعلى ربهم يتوكلون) . .عليه وحده . . كما يفيده بناء العبارة . لا يشركون معه أحداً يستعينون به ويتوكلون عليه . . أو كما عقب عليها الإمام ابن كثير في التفسير:" أي لا يرجون سواه , ولا يقصدون إلا إياه , ولا يلوذون إلا بجنابه , ولا يطلبون الحوائج إلا منه , ولا يرغبون إلا إليه , ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن , وأنه المتصرف في الملك لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب , ولهذا قال سعيد ابن جبير:التوكل على الله جماع الإيمان " . .وهذا هو إخلاص الاعتقاد بوحدانية الله ; وإخلاص العبادة له دون سواه فما يمكن أن يجتمع في قلب واحد , توحيد الله والتوكل على أحد معه سبحانه . والذين يجدون في قلوبهم الاتكال على أحد أو على سبب يجب أن يبحثوا ابتداء في قلوبهم عن الإيمان بالله !

وليس الاتكال على الله وحده بمانع من اتخاذ الأسباب . فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما يأمر به من اتخاذها ; ولكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشئ النتائج فيتكل عليها . إن الذي ينشئ النتائج - كما ينشئ الأسباب - هو قدر الله . ولا علاقة بين السبب والنتيجة في شعور المؤمن . . اتخاذ السبب عبادة بالطاعة . وتحقق النتيجة قدر من الله مستقل عن السبب لا يقدر عليه إلا الله . . وبذلك يتحرر شعور المؤمن من التعبد للأسباب والتعلق بها ; وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة الله في استيفائها .ولقد ظلت الجاهلية "العلمية ! " الحديثة تلج فيها تسميه "حتمية القوانين الطبيعية " . ذلك لتنفي "قدر الله" وتنفي "غيب الله" . حتى وقفت في النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها , أمام غيب الله وقدر الله وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمي ! ولجأت إلى نظرية "الاحتمالات" في عالم المادة . فكل ما كان حتمياً صار احتمالياً . وبقي "الغيب" سراً مختوماً . وبقي قدر الله هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة ; وبقي قول الله - سبحانه - (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) هو القانون الحتمي الوحيد , الذي يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبر الله بها هذا الكون , بقدره النافذ الطليق !

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٨٤