تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينبز مخالفيه بالكفر لأمور فرعية ; ووجد من يدفع هذا الاتهام بالتشدد في التحرج والتغليظ على من ينبز غيره بهذه التهمة . . وهذا وذلك غلو سببه تلك الملابسات التاريخية . .

أما دين الله فواضح جازم لا تميع فيه ولا تفصيص ولا غلو . . " ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل " . . ولا بد لقيامه من قبول ما شرع الله وتحقيقه في واقع الحياة . . والكفر:رفض ما شرع الله , والحكم بغير ما أنزل الله , والتحاكم إلى غير شرع الله . . في الصغير وفي الكبير سواء . . أحكام صريحة جازمة بسيطة واضحة . . وكل ما وراءها فهو من صنع تلك الخلافات والتأويلات . .

وهذا نموذج من التقريرات الصريحة الواضحة الجازمة من قول الله سبحانه:

(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) . .

ومثله سائر التقريرات الواضحة الجازمة الصريحة التي ترسم حقيقة الإيمان وحدوده في كتاب الله .

لقد نزع الله ملكية الغنيمة ممن يجمعونها في المعركة ; وردها الى الله والرسول - في أول السورة - ليخلص الأمر كله لله والرسول ; وليتجرد المجاهدون من كل ملابسة من ملابسات الأرض ; وليسلموا أمرهم كله - أوله وآخره - لله ربهم وللرسول قائدهم ; وليخوضوا المعركة لله وفي سبيل الله , وتحت راية الله , طاعة لله ; يحكمونه في أرواحهم , ويحكمونه في أموالهم ويحكمونه في أمرهم كله بلا تعقيب ولا اعتراض . .

فهذا هو الايمان . . كما قال لهم في مطلع السورة وهو ينتزع منهم ملكية الغنيمة ويردها إلى الله ورسوله:(يسألونك عن الأنفال . قل الأنفال لله والرسول , فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم , وأطيعوا الله ورسوله . . إن كنتم مؤمنين . .) .

حتى إذا استسلموا لأمر الله , وارتضوا حكمه ذاك , فاستقر فيهم مدلول الإيمان . . عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة , ويستبقي الخمس على الأصل - لله والرسول - يتصرف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وينفق منه على من يعولهم في الجماعة المسلمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . .

عاد ليرد عليهم الأخماس الأربعة , وقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو والفتح , فهم إنما يغزون لله ويفتحون لدين الله ; إنما هم يستحقونها بمنح الله لهم إياها ; كما أنه هو الذي يمنحهم النصر من عنده ;ويدبر أمر المعركة وأمرهم كله . . وعاد كذلك ليذكرهم بأن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو الإيمان . .

هو شرط الإيمان , وهو مقتضى الإيمان . .

واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .

إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . .

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٢٥