تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكان من مقرراته في هذه الرسالة أن نفع الصلاة قد ثبت له - علمياً - كما تثبت التجارب الطبيعية , و أنه لا فرق في هذا بين صلاة الإنسان لنفسه أو صلاته لغيره ما دام صادق النية صادق الطلب في لحالتين . و أحد هؤلاء العلماء الكبار - اوليفر لودج - و هو من أشهر علماء الرياضة و الطبيعة يرد على القائلين بمخالفة الصلاة لسنن الكونية فيقول :

((إنهم يتوهمون ذلك لأنهم يحكمون على الصلاة حكمهم على ظاهرة طبيعية خارجة من حدود الكون . و لكنها في الواقع ظاهرة كونية يحسب حسابها في أعمال الكون كما يحسب حسابها في سائر الحوادث التي تقع في حياتنا بغير صلاة .. و إذا كانت الصلاة تربية نفسية فلماذا يحسب المعترضون أن هذه التربية ليست سبباً لتحقيق بعض الحوادث كما تسببها كل تربية يتم بها استعداد الإنسان لغاية من الغايات ؟ )) .

و الواقع التاريخي عن الصلاة - بمعنى الدعاء إلى الله - أنها ظاهرة روحية تعرف بالديانات العليا , و لا تعرف بالديانات البدائية على هذا المعنى .

فهي نتيجة لترقي الإنسان في فهم وحدة الكون ووحدة القوة الإلهية التي تقوم بتدبيره , و لهذا تعرف في أديان الموحدين و المتحضرين , و لم تكن معروفة على هذا النحو بين الهمج الأولين الذين يعددون الأرباب , و يوزعونها بين عناصر الطبيعة في الأرض و السماء , و يطلبون من كل منها ما يقدر عليه و لا يقدر علي غيره , و يجعلون صلاتهم من قبيل المساومة على تبادل المنفعة لاعتقادهم أن أربابهم تحتاج إلى دعواتهم و قرابينهم كما يحتاجون هم إلى نعمها و عطاياها . و قد بقيت من هذا الأسلوب في الصلاة بقية مشهودة بين الجهلاء الذين يساومون الأولياء على الشموع و الذبائح إذا استجابوا لما يدعونهم إليه من إغاثة الملهوف , ورد المفقود , و تحقيق الغرض المأمول و لو لم يكن من الأغراض التي تحسن بالأولياء .

فالصلاة في الأديان العليا علامة من علامات التقدم الإنساني في فهم حقائق الكون و فهم الصفات الإلهية , و لا قوام لدين من الأديان بغير الإيمان بالصلاة على معنى الطلب و الدعاء , مع الإيمان برياضتها الروحية و صلتها الوثيقة التي تربط عالم الشهادة بعالم الغيب , و تجعل وجود الإله حقيقة أعلى من حقيقة النواميس أو حقيقة الحوادث الكونية التي تهم الإنسان في مطالب معيشته , كما تهمه في مطالب ضميره .

فلا الدين و لا العلم يقضيان على الإنسان أن ينكر حقيقة النواميس الطبيعية , و لكن وجود الإله قائم في ضمائرنا على إيماننا بأن النواميس الطبيعية وحدها لا تغني الإنسان عن الاتصال بخالقها , لن وجود النواميس لا يلغي عمل الإله , و لا يعني أن الاتصال به و الانقطاع عنه سواء . و الذين يفهمون أن نواميس الطبيعة واقع مفروغ منه يخالفون العلم و الفلسفة و ليس قصاراهم أنهم ينكرون الإرادة الإلهية من ورائها

فمن المقررات العلمية المشهودة التي اشتهرت حديثاً باسم نظرية هيزنبرج ((Heisenberg)) أن العلم لا يستطيع أن يعرف مقدماً كيف يتصرف كهرب واحد من كهارب الأجسام المادية , و أن الذي نعرفه من ذلك إنما هو حكم الجملة يستحيل تطبيقه على الأجزاء المتفرقة , و من المشاهد التي يقربون بها هذا الرأي تقدير شركات التأمين لحوادث السيارات في البلد الواحد و السنة الواحدة , فإنهم يحسبون الحساب لإصابة عشرين سيارة من كل ألف سيارة - مثلاً - فيصدق هذا التقرير و تنتظم عليه موارد الشركة و مصاريفها , و لكن أخبر الخبراء في الشركة لو سئِل أن يدل على هذه السيارات العشرين أو بعضها لما استطاع .

و العلماء الذين يعتقدون أن النواميس الكونية مسألة قديمة حصلت و فرغ الأمر منها يتمثلون الكون كأنه مكنة صنعت و أرسلت في طريقها و انقطعت عوامل التكوين فيها , و لكن هذا الاعتقاد ضرب من التصور لا يولفقه عليه كثير من العلماء و المفكرين , و من هؤلاء المفكرين من يقول - كما قال بيرس Pierce - إن المصادفات قد تكون اليوم قوانين في دور التكوين و ليس شذوذاً عن قوانين مبرمة منذ الأزل , و إن القوانين قد تكون مصادفات تكررت على وتيرة واحدة و لكنها لا يرتبط بعضها ببعض ارتباط الأسباب بالمسببات ..

و مذهب بيرس هذا مطابق لقول الحكيم الإسلامي أبي حامد الغزالي , و مطابق للإجماع الذي انعقدت عليه آراء المحدثين , فإنهم يقولون إن التجارب العلمية إنما هي تجارب وصفية تسجل الواقع كما يتكرر أمام المجربين , و لكنها ليست بالتفسيرات التي تعلل الأسباب بعلة محققة غير علة التكرار و الاستمرار .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٨