وهذا المسألة جاءت لتعدل نظاماً اجتماعياً فاسداً حتى وإن جاءت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالحق سبحانه وتعالى يعالج القضية علاب رب لإنفاذ الأمر في نصرة حبيب له هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يشوه عمله ولكن يقول : ﴿ ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله ﴾ فكأنه سبحانه يقول له : إن كنت يا محمد تكافئ زيد لاختياره لك على أبيه وعشيرته بأن تتبناه وتجعله زيد بن محم فهذا عدل منك في حقه ، ولكن الله عنده عدل أفضل من هذا ، فأنت يامحمد عملت القسط بعرف البشر لكن حكم رب البشر أقسط من حكمك ، وحين يرد الله حكمك إلى حكمه ويعطيك هذا الشرف بأنك مقسط فهذا تكريم لك ؛ ولذلك قال : ﴿ هو أقسط عن الله ﴾ .
فكأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم كان قسطاً وعدلاً ،ولكن بقانون البشر ، ولكن الله تعالى أرسله ليغير قوانين البشر بقوانين رب البشر .
هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيد لأنه فضله واختاره على أبيه ، ولكن بعد أن كان زيد بن محمد ، عاد ليصبح زيد ابن حارثه ، فكأن الله تعالى يكرمه بشيء يعوضه عن ذلك ، ولهذا تجد أن العَلم الوحيد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر في القرآن بنصه وفصه هو زيد بن حارثه ... قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا... الأحزاب 37 ﴾ ، فإذا كان الله تعالى حرمه من شرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جعل اسمه يُتعبد بتلاوته إلى أن تقوم الساعة .
هنا الآية تبين الحكمة من كل هذه القصة في قوله سبحنه وتعالى : ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ الأحزاب 37
فكان لا بد من حدوث هذا الأمر حتى ينهي الله التبني وما يترتب عليه من أحكام وعادات الجاهلية ثم نقول : هب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له اختيار في هذه العملية ولم تكن مسبقة أو أراد الله بها شيئاً وقد حدث فرضاً ، فهل نزع الله منه الرسالة أم جعله رسولاً كما هو ؟
ظل رسولاً لله يتنزل عليه وحيه .
إذن .. فلا شيء فيها ، وهذا مثل الذين يقولون عن نبي الله يوسف عليه السلام : كيف همت به وهم بها وهو نبي وابن نبي ؟ كأنهم يغارون أكثر من الله مع أنهم لو عرفوا ملابسات الموقف لما قالوا هذا لأن هذا فضول لا أصل له .
يقول الحق سبحانه : الأحزاب 38
﴿ مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾
ما دام الله هو الذي فرضها فمن أين يأتي الحرج ، فالله فرض فرضاً ونفذه رسوله لأنه مأمور بتنفيذ أوامر الله فلا شيء عليه ، وهذه مثل مسألة الإسراء تماماً حينما قالوا : أتدعي يامحمد أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ؟! وهذا غباء منهم ، لكنه أفادنا نحن الآن إذ ناقشنا الكلام نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل : ﴿ إني أسريت إلى بيت المقدس في ليلة ﴾ وإنما قال : ﴿ أُسري بي ﴾ ، من الذي أسرى به ؟ الذي أسرى به هو الله سبحنه جل شأنه .
إذن المسشألة منتهية ولا مشكلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليبس له دخل بالموضوع ، وفعله لا علاقة له بالقضية لأن الفاعل هو الل ، فمادام الله هو الذي أسرى به ، فلماذا نشكك في الأمر ؟ .
ومع ذلك فهذه القضية نفعتنا الآن لنعلم أن الغباء يؤدي بصاحبه إلى عكس ما قصده ، فهم حين قالوا : أتدعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل في شهر ... باللله عليكم لو أن الرسول كان قد قال لهم : ﴿ إنه رأى بيت المقدس في المنام ﴾ هل كانوا سيكذبونه أو يردون عليه هذا الرد ؟
إذن هم فهموا وعرفوا أنه ذهب 'لى بيت المقدس بشحمه ولحمه بحسده وروحه ، بدليل أنهم قارنوا بين سفره وسفرهم الذي يظل شهراً وهو لم يستغرق ليلة واحدة ، فهذه نفعتنا في الرد على الذين يقولون : ﴿ إن الإسراء كان بالرؤيا أو بالروح دون الجسد ﴾
ومعنى : ﴿ ما كان على النبي من حرج ﴾ أي من إثم أو ملامة فيما فرض الله له ، وقوله : ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ الذين خلوا من قبل إخوانه من الرسل ، كان عندهم كذا وكذا ، أو فيما قبل الإسلام كان التعدد شائعاً ويملأ الدنيا فبم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل .
وهنا نلاحظ كلمة : ﴿ فيما فرض الله له ﴾ ولم يقل ﴿ فيما فرض الله عليه ﴾ أي فرض الله في صالحه .
ثم يقول تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾ الأحزاب 39
كأن الله سبحانه أراد أن يتكلم عن موضوع ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ الأحزاب 37 .