تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلنفرض أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) استطاع أن يخدع كل من كان في زمنه، ألا يخشى أن ينكشف بعد ذلك إذا ازداد الناس علما ، فهو يخبر بأمور فلكية وأخرى طبية وأمور جغرافية ، ويخبر بأحداث سوف تقع بعد موته ، ويتكلم بعلوم لم يعرفها أهل زمانه ، كل هذا وهو مطمئن القلب لصدق نفسه، ثم لا يأتي الواقع إلا مطابقا لما قال ،ولا يأتي العلم -على تقدمه الكبير- إلا بتأكيد كلامه وتأييد آرائه ، أليس في هذا دليل أنه لا يتحدث من قبل نفسه , بل من قبل من يعلم السر والنجوى الذي لا تخفى عليه خافية.

قالت بوتر(516) : (كيف استطاع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الرجل الأمي, الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم ،والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها ؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله عز وجل )(517.

10-منهجه في كيفية تلقي النص أول عهده بالوحي(518) :

(ولقد كان حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلاً ,فيحرك به لسانه وشفتيه طلباً لحفظه ، وخشية ضياعه من صدره ، ولم يكن ذلك معروفاً من عادته في تحضير كلامه ، لا قبل دعواه النبوة و لا بعدها ، و لا كان ذلك من عادة العرب ، إنما كانوا يزورون كلامهم في أنفسهم ، فلو كان القرآن منبجساً من معين نفسه لجرى على سنة كلامه و كلامهم ولكان له من الروية و الأناة الصامتة ما يكفل له حاجته ؛ من إنضاج الرأي , و تمحيص الفكرة ، و لكنه كان يرى نفسه أمام تعليم يفاجئه وقتياً و يلم به سريعاً ، بحيث لا تجدي الروية شيئاً في اجتلابه لو طلب ، و لا في تداركه و استذكاره لو ضاع منه شيء ,و كان عليه أن يعيد كل ما يلقى إليه حرفياً ، فكان لابد له في أول عهده بتلك الحال الجديدة التي لم يألفها من نفسه, أن يكون شديد الحرص على المتابعة الحرفية ، حتى ضمن الله له حفظه و بيانه بقوله : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ( الآيات [القيامة: 16 ] ، و قوله : ( و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما ( [طه: 114 ] .

هذا طرفٌ من سيرته بإزاء القرآن ، وهي شواهد ناطقة بصدقه في أن القرآن لم يصدر عنه بل ورد إليه ، و أنه لم يفض عن قلبه بل أفيض عليه)(519) .

11-أليس يكفي للحكم ببراءة الإنسان من عمل من الأعمال , أن يقوم من الطبيعة شاهدٌ بعجزه المادي عن إنتاج ذلك العمل ؟ .

فلينظر العاقل : هل كان هذا النبي الأمي ( أهلاً بمقتضى وسائله العلمية , لأن تجيش نفسه بتلك المعاني القرآنية ؟.

سيقول الجهلاء من الملحدين : نعم . فقد كان له من ذكائه الفطري و بصيرته النافذة ما يؤهله لإدراك الحق و الباطل من الآراء , و الحسن القبيح من الأخلاق, و الخير والشر من الأفعال ، حتى لو أن شيئاً في السماء تناله الفراسة , أو تلهمه الفطرة , أو توحي به الفكرة, لتناوله محمد بفطرته السليمة و عقله الكامل و تأملاته الصادقة .

و نحن قد نؤمن بأكثر مما وصفوا من شمائله، و لكننا نسأل : هل كل ما في القرآن مما يستنبطه العقل و التفكير ، و مما يدركه الوجدان و الشعور ؟ اللهم كلا .

طبيعة المعاني القرآنية ليست كلها مما يدرك بالذكاء و صدق الفراسة فمن ذلك :

أ - أنباء الماضي لا سبيل إليها إلا بالتلقي و الدراسة :

ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة , التي لا مجال فيها للذكاء و الاستنباط ،و لا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة و التلقي و التعلم ؛ ماذا يقولون فيما قصه علينا القرآن من أنباء ما قد سبق و ما فصله من تلك الأنباء على وجهه الصحيح كما وقع؟ أيقولون : إن التاريخ يمكن وضعه أيضاً بإعمال الفكر ودقة الفراسة ؟ أم يخرجون إلى المكابرة العظمى فيقولون إن محمداً قد عاصر تلك الأمم الخالية ، وتنقل فيها فشهد هذه الوقائع مع أهلها شهادة عيان ، أو أنه ورث كتب الأولين وعكف على دراستها حتى أصبح من الراسخين في علم دقائقها ؟ إنهم لا يسعهم أن يقولوا هذا و لا ذاك ، لأنهم معترفون مع العالم كله بأنه ( لم يكن من أولئك ولا من هؤلاء ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ( [ سورة آل عمران الآية : 44 ] ،( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم و هم يمكرون ( [ سورة يوسف الآية : 102 ] ، ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ( [ سورة القصص الآية : 44 ] ، ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخُطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ( [ سورة العنكبوت الآية : 48] ، ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا ( [سورة هود الآية : 49 ] ، ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من قبله لمن الغافلين ( [ سورة يوسف الآية : 3 ] .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٢٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٢٨٣