قال ابن كثير - رحمه الله - :( يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش ، الجاحدين المعرضين عنه أنهم إذا قرأ عليهم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كتاب الله ، وحججه الواضحة ، قالوا له : ( ائت بقرآن غير هذا ( أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو ( بدله ( إلى وضع آخر . قال الله تعالى لنبيه ( : ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ( أي ليس هذا إليَّ إنما أنا عبد مأمور، ورسول مبلغ عن الله ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم( ثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ( أي هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته ، والدليل على إني لست أتقوله من عندي ، ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته ، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل ، لا تنتقدون عليَّ شيئا تغمصونني(463) به ولهذا قال : ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ( أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل ، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال هرقل لأبي سفيان : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال أبو سفيان : فقلت : لا . وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ، ومع هذا اعترف بالحق ، والفضل ما شهدت به الأعداء ، فقال له هرقل : لقد عرفت إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يذهب فيكذب على الله، وقال جعفر ابن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة : بعث الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته ، وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة)(464).
6- اتهام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه شاعر ، أو مسحور أو ساحر ، أو كاهن يتلقاه من الشياطين ، أو مجنون، أو أن ما يتلقاه هو أضغاث أحلام :
( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ( [الأنبياء:5].
( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ()وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ()وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ()تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [الحاقة:40-43].
( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ( [التكوير:25].
( ...إذ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ( [الإسراء:47].
( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ( [يونس:2].
( وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( [الحجر:6] .
ويلاحظ في هذه التهم التخبط العجيب والتناقض الغريب، فتارة يتهمونه بأنه ساحر وتارة مسحور، ولما رأوا بلاغة القرآن قالوا : هذا شعر . فلما اعترض عليهم أن أوزان الشعر معروفة ، وهذا ليس على وزن شيء منها ، قالوا : كاهن يعني يسجع كسجعهم ، فلما اعترض عليهم بأنه لو كان شعرا أو سجعا لكان الناس يستطيعون تقليده ، ولكن الواقع أنه لم يستطع أحد فعل ذلك ، لاسيما مع استمرار تحديه لهم في كل مناسبة ، فقالوا : إنه أضغاث أحلام . ولكن أضغاث الأحلام لا تأتي بهذا الإحكام والتنظيم والإعجاز والبلاغة ، فقالوا: إذن يتلقاه من الشياطين . ولكن كيف يتلقاه من الشياطين وهو يلعن الشياطين صباحا ومساء، ولا يستفتح كتابه إلا بالاستعاذة منهم ، والشيطان من صفاتها إضلال الناس ، وهذا الكتاب يهدي لأقوم سبيل وأفضل طريق ، وهناك الكثير من السحرة والكهنة لديهم شياطين ومردة ، فلماذا لا يأتون بمثل ما أتى ؟ فقالوا : إذن هي أساطير الأولين وقصص السابقين، اكتتبها فهي تملى عليه . ولكن كيف يقال هذا ومحمد لا يقرأ ولا يكتب ، بل هو رجل أمي، قالوا : إذن تعلمه من اليهود والنصارى . فقيل لهم : كيف ذلك وهم أعاجم ، وهذا لسان عربي مبين ، وكلام فصيح بليغ لم يستطع فحول الفصحاء أن يبلغوا منزلته في البلاغة ، فكيف لأعجمي أن يأتي به ؟ ثم هل اليهود والنصارى تكفر نفسها ؟ فعند ذلك حاروا وبهتوا وألجموا ولم يردوا جوابا.
وقد شهد على صحة هذا القرآن أهل الكتاب أنفسهم ، كما اشرنا من قبل في مثل قوله تعالى:
( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ ( [الأنعام:114].