هل تطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأحداث أحياه
فكانوا يداً في الحرب واحدة من خاضها باع دنياه بأخراه
--------------------------------------------------------------------------------
(388) المعجم المفصل في الأدب ، د. محمد التونجي ( 1/187 ) ، ودار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولي ، 1993م .
(389) المصدر السابق (2/430) .
(1/32)
--------------------------------------------------------------------------------
المطلب السابع عشر: الإلزام :
نريد أن نسأل اليهود :كيف آمنتم برسولكم موسى عليه السلام ؟
فإن قالوا :بسبب معجزاته ، أو أخلاقه ، أو تشريعه ، أو تأييد الله له ونصرته ، أو استجابة دعائه ، أو عدم رغبته في المصلحة الذاتية،أو غير ذلك من الأدلة .
قلنا: كل ما ذكرتموه هو موجود في النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .
وكذلك النصارى نسألهم هل هم يؤمنون بنبوة موسى(390) عليه السلام ؟، فإن الجواب سيكون :نعم . قلنا: كيف استدللتم على نبوته ؟ . فإن قالوا: لأنه قد ذكره لنا عيسى .
قلنا: هل هناك دليل آخر؟ .
إن قالوا: لا يوجد دليل آخر على نبوة موسى عليه السلام . قلنا: إذن أنتم صَحَّحْتم مذهب مَن كفر بموسى عليه السلام من قومه ؛ حيث إن موسى عليه السلام لم يأت بدليل على رسالته ، ولم ينزل عيسى عليه السلام في ذلك الوقت ، وأثبتم لمن آمن به أنه آمن بغير بينة ولا علم ولا دليل ، وأن رسالة موسى علقت عن التصحيح قرونا متطاولة حتى بعث الله عيسى عليه السلام .
فإن قالوا : نعم، هناك أدلة أخرى على رسالة موسى عليه السلام.
قلنا: كل دليل استدللتم به على نبوة موسى عليه السلام هو موجود في محمد ( صلى الله عليه وسلم ).
وبعد هذا فلا حجة لرجل لا يؤمن بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ،ولكن صدق الله إذ يقول: ( وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ( [الأعراف : 198]،يعني ينظرون إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ودلائل صدقه, ثم لا يبصرون كأنهم عميان(391).
فإذا ثبت أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) صادق ، فإنه أخبرنا أن هذا القرآن كلام الله عز وجل منزل من عنده سبحانه حقا ، فحصل بهذا المراد ، وهو إثبات أن القرآن من الله تعالى .
--------------------------------------------------------------------------------
(390) ولم نقل عيسى عليه السلام ؛ لأنهم يرونه إلها لا رسولا .
(391) وهذا أحد معان الآية ، فبعض رأى أن المقصود بالآية هم الأصنام ، فهي كأنها تنظر ولكنها لا تبصر ، وبعضهم قال : إن المقصود بالآية هم المشركون - كما روى عن مجاهد وغيره - أي وإن كانوا ينظرون إليك يا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولكنهم لا ينتفعون بالنظر والرؤية . انظر : "محاسن التأويل" ، للقاسمي (3/683) ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت ، الطبعة الأولي ، 1994 .
(1/33)
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الثاني : الأدلة على صدق القرآن و ما فيه
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) :« ما من الأنبياء نبي إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » (392).
(قال العلماء : معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ، فلم يشاهدها إلا من حضرها ، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة ،وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات ، فلا يمر عصر من الأعاصير إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر أنه سيكون ، مما يدل على صحة دعواه ، وقيل : المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية ؛ تشاهد بالأبصار ، كناقة صالح ، وعصا موسى ، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة ؛ فيكون من يتبعه لأجلها أكثر ؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده ، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا . قال الحافظ ابن حجر : ويمكن نظم القولين في كلام واحد ؛ فإن محصلهما لا ينافى بعضه بعضا)(393).
وفي هذا المبحث عدة مطالب كلها تدل على صدق القرآن وصحة ما فيه :
--------------------------------------------------------------------------------
(392) متفق عليه (البخاري:كتاب فضائل القرآن ،باب كيف نزل الوحي وأول ما أنزل ،رقم :4696، ومسلم :كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم )، رقم :152).
(393) الخصائص الكبرى للإمام السيوطي (1/188)، دار الكتب العلمية ،بيروت ،الطبعة الأولي،1985.
(1/34)
--------------------------------------------------------------------------------
المطلب الأول :إعجاز القرآن :
إعجاز القرآن من الأدلة على صدقه ، وأنه من عند الله تعالى حقا ، وأوجه إعجاز القرآن كثيرة جدا منها :
1- إخبار القرآن بالغيب: