عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه سَمِعَ - عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ ( يَقُولُ : « لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ » (341).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا وَيا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ » (342).
وعن عبدالله بن الشخير العامري ( : انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم )، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا . فَقَالَ : « السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ». قُلْنَا :وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا ،فَقَالَ : « قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ » (343).
وكان لا يحب أن يقوم له أحد إذا دخل :
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَا كَانَ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا؛ لِمَا يَعْلَمُوا مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ)(344).
ولا يحب أحدا أن يقف فوق رأسه كما تفعل الملوك والقياصرة :
فقد أخرج مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ : اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ :« إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ ،فَلَا تَفْعَلُوا؛ ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا » (345).
وهذا أمر عجيب ؛ فقد ذكر الفقهاء أن القيام في صلاة الفريضة من أركان الصلاة(346) ، ومع هذا لما أحسَّ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن هذا الأمر سوف يؤدي إلى تعظيمه أمرهم بالقعود.
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ ( رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ ،فَقَالَ لَهُ:« هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ(347) » (348).
بل كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يلزم خاصته وأهله بالزهد أيضا ، فقد خير أمهات المؤمنين بين البقاء معه على هذه الحال ولهن الجنة ، وبين الدنيا ويطلقهن ، فاخترن البقاء معه(349) :
قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا() وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( [الأحزاب:28-29].
وجاءته فاطمة ابنته تسأله خادما من السبي ، فوزعه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على الناس ، ولم يعط فاطمة منها شيئا ، مع شدة حبه لها وشدة حاجتها له :
عن عَلِيًّ قَالَ :شَكَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ ( مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى ، فَأُتِيَ بِسَبْيٍ فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ ، فَلَمْ تَرَهُ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةَ ،فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ( أَخْبَرَتْهُ ، فَأَتَانَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا ، فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ :« عَلَى مَكَانِكُمَا ». فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي ، فَقَالَ : أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ » (350).