تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى هنا انتهى رشيد رضا من تقرير هذه المسألة . والذي يبدو للوهلة الأولى أن له حظا من النظر ، ولكن حقيقة الأمر على الضد من ذلك ، فإليك الجواب عن كل ما قال:

أولا:طعنه في السند:

1-إنكاره تواتر الحديث:

لقد نص على تواتر الحديث جهابذة هذا الفن وأمراء الحديث في القديم والحديث ؛ نذكر من ذلك :

قال الإمام ابن كثير- رحمه الله - : (قد كان هذا في زمان رسول الله ( ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة)(234).

وقال الكتاني : (قال التاج ابن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب الأصلي : الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه في القرآن ، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق من حديث شعبة عن سليمان بن مهران ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود، ثم قال : وله طرق أخرى شتى بحيث لا يُمترى في تواتره .

وقال القاضي عياض في الشفا -بعد ما ذكر أن كثيرا من الآيات المأثورة عنه ( معلومة بالقطع - ما نصه : أما انشقاق القمر ، فالقرآن نص بوقوعه ، وأخبر بوجوده ، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل ، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة ، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين ، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك في قلوب ضعفاء المؤمنين ، بل نرغم بهذا أنفه،وننبذ بالعراء سخفه .

وفي أمالي الحافظ ابن حجر :أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه ، قال : ورواه من الصحابة : عليُّ ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وجبير بن مطعم ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس ،وغيرهم .

وقال القرطبي في المفهم : رواه العدد الكثير من الصحابة ، ونقله عنهم الجم الغفير من التابعين، فمن بعدهم ا.هـ .

وفي المواهب اللدنية : جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة، منهم : أنس ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعلي ، وحذيفة ، وجبير بن مطعم ، وابن عمر ، وغيرهم .

وقال ابن عبد البر : روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة ، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا ،وتأيد بالآية الكريمة. وقال المناوي في شرحه لألفية السير للعراقي : تواترت بانشقاق القمر الأحاديث الحسان ، كما حققه التاج السبكي وغيره.)(235) وبنحوه قال ابن حجر(236) .

2-طعنه في صحة السند:

ولو سلمنا بعدم تواتره ، فهو لا شك بصحته ، وأما محاولة رشيد رضا تضعيف السند ، فهي محاولات بائسة ، ويكفي في صحته اتفاق البخاري ومسلم على تخريجه في كتابيهما عن طريق ثلاثة من الصحابة ،وتصحيح الأئمة له .

وقد نقل الحافظ ابن الصلاح اتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه الشيخان بالقبول والصحة ، ووافقه العراقي على ذلك ، ونقله عن جمع غفير من الأئمة(237).

وأما دعواه أن حديث أنس وابن عباس من قبيل مرسل الصحابي . فنقول ماذا في هذا ؟! فمرسل الصحابي مقبول عند علماء الحديث : قال ابن الصلاح : ( ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي ، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ( ولم يسمعوه منه ؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند )(238).

وقال الحافظ العراقي : ( المحدثون وإن ذكروا مراسيل الصحابة ، فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها)(239).

ثم لو سلمنا بعدم قبول رواية مرسل الصحابي ، فقد رواه ابن مسعود مشاهدة ، وهو ليس بمرسل في حقه ، وكذلك رواه ورآه علي بن أبي طالب ، وحذيفة ، وجبير بن مطعم ، وابن عمر(240).

ثانيا : طعنه في متن الحديث:

وأما تضعيفه حديث ابن مسعود المتفق عليه بسبب اضطراب ألفاظه ، فهو في غاية من العجب .

فرواية(انشق القمر ونحن في مكة) ورواية (ونحن في منى) لا تعارض بينهما إذ منى من مكة ، أو أن المراد بمكة يعني قبل الهجرة . قال ابن حجر : (وَالْجَمْعُ بَيْن قَوْل اِبْن مَسْعُود " تَارَة بِمِنى وَتَارَة بِمَكَّة " إِمَّا بِاعْتِبَارِ التَّعَدُّد إِنْ ثَبَتَ ،وَإِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى ، وَمَنْ قَالَ : كَانَ بِمَكَّة لَا يُنَافِيه ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِمِنًى كَانَ بِمَكَّة مِنْ غَيْر عَكْس ،وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِمِنًى قَالَ فِيهَا : " وَنَحْنُ بِمِنًى " وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِمَكَّة لَمْ يَقُلْ فِيهَا " وَنَحْنُ " وَإِنَّمَا قَالَ : " اِنْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة " يَعْنِي أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ وَهُمْ بِمَكَّة قَبْل أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَة ،وَبِهَذَا يَنْدَفِع دَعْوَى الدَّاوُودِيّ أَنَّ بَيْن الْخَبَرَيْنِ تَضَادًّا ،وَاللَّهُ أَعْلَمُ)(241) .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٢٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٢٢٠