تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الصحيحين أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا ، وَفِينَا بُشَيْرُ ابْنُ كَعْبٍ فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) « الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ » قَالَ : أَوْ قَالَ : « الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ » فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ الْحِكْمَةِ ، أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ . قَالَ : فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ ، وَقَالَ : أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) وَتُعَارِضُ فِيهِ . قَالَ : فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ ، قَالَ : فَأَعَادَ بُشَيْرٌ ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ قَالَ : فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ : إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ)(126) .

2- تعليمه بالتي هي أحسن ، أخذا من قوله تعالى (وأما السائل فلا تنهر( [ الضحى : 10] ، وقوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ( [النحل : 125] وقوله : (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( [العنكبوت : 46] ، والمسلم أولى بالإحسان من الكتابي .

وذكر الداوودي في ترجمة الشنبوذي (عن الداني أنه قال : دخل الشنبوذي على عضد الدولة زائرا ، فقال له : يا أبا الفرج إن الله تعالى يقول : (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ( [النحل : 69] ونرى العسل يأكله المحرور فيتأذى به ؛ والله الصادق في قوله ، فقال : أصلح الله الملك ، إن الله لم يقل : فيه الشفاء للناس . بالألف واللام ، الَّذيْنِ يدخلان لاستيفاء الجنس ، وإنما ذكره مُنَّكرا ، فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض .

قال الداني : والصواب أن الألف واللام في قوله : (للناس( لا يستغرقان الجنس كله ، كما لا يستغرقان في قوله : (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم([آل عمران : 173]وقوله : (فنادته الملائكة([آل عمران : 39]وقوله : (وقالت اليهود عزير ابن الله([التوبة : 30] وشبهه)(127) .

3- الشدة أحيانا على من لا يخاف عليه النفرة بالشدة ، وعنده من العلم ما لا ينبغي معه أن يسأل هذا السؤال ؛ كحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا -وفي رواية أنهم تكلموا في القدر- فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ، فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ : « بِهَذَا أُمِرْتُمْ - أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ - أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، إِنَّمَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ ، فَاعْمَلُوا بِهِ وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا »(128) .

ثانيا : وأما إن كان السائل يسأل تعنتا ، فإن لهم معه طرقا كثيرة :

1- تعليمه السؤال الصحيح : عن عامر بن وائلة ، أن ابن الكواء سأل عليا - رضي الله عنه - فقال : يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا ؟ قال : ويلك سل تفقها ، ولا تسأل تعنتا(129)

2- تأديبه إن كان له عليه قدرة وسلطة : كما فعل عمر - رضي الله عنه - مع صبيغ؛ فعن السائب بن يزيد ، أن رجلا قال لعمر - رضي الله عنه - : إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن ، فقال عمر : اللهم أمكني منه . فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة ، وعمر يقرأ القرآن ، فلما فرغ قام إليه الرجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا ؟ فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ، ثم قال : ألبسوه ثيابه واحملوه على ؛ قتب ، وأبلغوا به حيَّه ، ثم ليقم خطيبا فليقل : إن صبيغا طلب العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم(130) .

3- هَجْره ، والتحذير منه ، وعدم مناظرته :

وهذا لثلاثة أسباب(131) :

أ- لتأديبه : كما فعل عمر - رضي الله عنه - مع صبيغ .

ب-لأن صاحب الشبهة إن كان مغموسا في باطله ، ويطلب نصرته ، أو يريد التشكيك في الحق ، فإنه لا ينفع معه الجدال :

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢١٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢١٩٧