وقال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر - : " فلما وضع القوم أيدهم يأسرون ورسوله الله - صلى الله عليه وسلم - فى العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوشحاً السيف ، فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ، يخافون عليه الكرة . ورأى رسول الله - فيما ذكر لى - فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم "؟ فقال : أجل والله يا رسول الله : كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشكر ، فكان الإِثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال " .
قوله : ﴿ أسرى ﴾ : جمع أسير كقتلى جمع قتيل . وهو مأخوذ من الأسر بمعنى الشد بالإِسار أى : القيد به حتى لا يهرب ، ثم صار لفظ الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فتنة فى الحرب ، ولو لم يشد بالإِسار .
وقوله ﴿ يُثْخِنَ ﴾ من الثخانة وهى فى الأصل الغلظ والصلابة . يقال : ثخن الشيئ يثخن ثخونة وثخانة وثخنا ، أى : غلظ وصلب فهو ثخين ، ثم استعمل فى النكاية والمبالغة فى قتل العدو فقيل : أثخن فلان فى عدوه . أى : بالغ فى قتله وإنزال الجراحة الشديدة به ، لأنه بذلك بمنعه من الحركة فيصير كالثخين الذى لا يسيل ولا يتحرك .
والمراد بالنبى فى قوله ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ﴾ : نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما جئ باللفظ منكراً تلطفاً به - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يواجه بالعتاب .
والمعنى : ما صح وما استقام لنبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شراً ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ﴾ أى : حتى يبالغ فى قتلهم ، وإنزاله الضربات الشديدة عليهم إذلالاً للكفر وإعزازا لدين الله .
وقوله : ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة ﴾ استئناف مسوق للعتاب .
والعرض : ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء ، فكأنها تعرض ثم تزول ، والمراد بعرض الدنيا هنا : الفداء الذى أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا سراحهم .
تريدون - أيها المؤمنون - بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ومتاعها الزائل ، وحطامها الذى لا ثبات له ، والله - تعالى - يريد لكم ثواب الآخرة .
فالكلام فى قوله : ﴿ والله يُرِيدُ الآخرة ﴾ على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والإِرادة هنا بمعنى الرضا أى : والله - تعالى - يرضى لكم العمل الذى يجعلكم تظفرون بثوابه فى الآخرة ، وهو تفضيل إذلال الشرك على أخذ الفداء من أهله .
وقوله : ﴿ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أى : والله - تعالى - ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يغالب بل هو الغالب على أمره ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه .
فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين ، لأنهم آثروا الفداء على القتال والإِثخان فى الأرض ، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك والإيمان ، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة ، فلو أن المسلمين آثروا المبالغة فى إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شوكة الشرك وأهله ، وأظهر فى إذلال قريش وحلفهائها ، وأصرح فى بيان أن العمل على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا واعرضها ، وأنهم لا يوادون من حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته ، وهذا ما عبر عنه عمر - رضى الله عنه - بقوله : " وحتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين " .
والخلاصة أن غزوة بدر - بظروها وملابساتها التى سبق أن أشرنا إليها - كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا فى قتل أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء حتى يذلوها ويعجزوهم عن معاودة الكرة .
ورضى الله - تعالى - عن " سعد بن معاذ " فقد هرت الكراهية على وجهه بسبب أخذ الفداء من الأسرى ، وقال - كما سبق أن بينا - : " كانت غزوة بدر - أول وقعة أوفعها الله بأهل الشرك ، فكان الإِثخان فى القتل أحب إلىّ من استبقاء الرجال " .
قال الفخر الرازى : قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ذلك فى الأسارى ﴿ حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ ثم قال الرازى : وأقول : إن هذا الكلام يوهم أن قوله ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ يزيد على حكم الآية التى نحن فى تفسيرها : وليس الأمر كذلك ، لأن الآيتين متوافقتان ، فإن كلتيهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإِثخان ثم بعده أخذ الفداء .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين : ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
والمراد بالكتابه هنا : الحكم ، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب فى اللوح المحفوظ .