حتى ولا برواية حكم، بل الموضوع هو أن هذا الحكم قد نسخ أو لم ينسخ، فليس هو نسخ قطعي بظني بل هو نسخ حكم ثبت بالسنّة بحكم ثبت بالسنّة، فموضوع قطعي وظني ليس وارداً ولا هو موضوع بحث، فقد ثبت بالسنّة إباحة المتعة في صدر الإسلام، وثبت بالسنّة تحريمها في خيبر ثم بالسنّة إباحتها عام الفتح، وثبت بالسنّة تحريمها في عام الفتح نفسه تحريماً مؤبداً.
فالموضوع ليس نسخ القرآن بالسنّة ولا هو نسخ المتواتر بخبر الآحاد، بل هو نسخ حكم ثابت بالسنّة في خبر الآحاد بحكم ثبت بالسنّة بخبر الآحاد، ولذلك لا ترِد مسألة قطعي وظني ولا مسألة نسخ القطعي بالظني. وأما قراءة ابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب وسعيد بن جبير فإنها ليست قرآناً لأنها جاءت بطريق الآحاد ولا يعتبر قرآناً إلاّ ما جاء بطريق التواتر وما ألقي على جمع تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لأن القرآن هو فقط ما نقل نقلاً متواتراً وعلمنا يقينياً أنه من القرآن، فهذا وحده هو القرآن وهو الذي يكون حجة، وأما ما عداه فليس قرآناً وليس بحجة، ولذلك فإن ما نُقل إلينا منه من آحاد كمصحف ابن مسعود وغيره ليس بقرآن ولا يكون حجة. وعلى ذلك فإن هذه القراءة ليست قرآناً وكذلك ليست سنّة لأجل روايتها قرآناً، فلا تعتبر حجة ولا يصح الاستدلال بها. على أن الدليل على تحريم المتعة تحريماً مؤبداً ليس النهي عنها يوم خيبر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أباحها بعد خيبر في عام الفتح، وإنما تحريم المتعة تحريماً مؤبداً ثابت بتحريمها يوم الفتح والنص على تحريمها تحريماً مؤبداً في نفس نص النهي، ثابت بحديث سبرة الصحيح، فقد روى أحمد ومسلم عن سبرة الجهني ٍ(أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر فأذِن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء) وذكر الحديث إلى أن قال: ٍ(فلم أخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخلِ ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً). فتحريم المتعة تحريماً مؤبداً لم يأت من النهي عنها يوم خيبر وإنما أتى عن النهي عنها يوم الفتح، ودليله ليس حديث النهي عنها يوم خيبر بل دليله حديث سبرة الصحيح المصرح به بالتحريم المؤبد، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة) ويقول: (فمن كان عنده منهن شيء فليُخلِ سبيله) فهذا هو دليل التحريم المؤبد. وعلى ذلك فإن رأي الإمامية الجعفرية في جواز المتعة رأي باطل لا يستند إلى دليل، لأن دليلهم هو دليل الرخصة بها وهذه الرخصة قد نُسخت بالحديث الصحيح، والاستدلال بالمنسوخ استدلال باطل لا يحل الاستناد إليه ما دام يُعرف أنه منسوخ. وفوق ذلك فإنهم يعتمدون على أحاديث خيبر، وأحاديث خيبر بغض النظر عن ثبوت النهي فإنه لا يستدل على تحريم المتعة تحريماً مؤبداً، ولا يستدل بها على عدم تحريم المتعة تحريماً مؤبداً لأن الرسول عليه السلام قد رخص بها بعد خيبر فأصبحت هذه الأحاديث ليست موضوع بحث في تحريم المتعة مطلقاً، ولا في تحريمها تحريماً مؤبداً، بل موضوع البحث هو تحريمها في عام الفتح، أو بعبارة أخرى هو حديث سبرة الصحيح المصرح بالتحريم المؤبد. وخلاصة حديث المتعة أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين، فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ثم حرمت تحريماً مؤبداً. ذلك أن المتعة كانت مباحة في صدر الإسلام، فعن ابن مسعود قال: ٍ”كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي، فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبدالله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم...) الآية، وروى الترمذي عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: ٍ”إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متعة وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية (إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)” قال ابن عباس: ٍ”فكل فرج سواهما حرام”. فالثابت في صحيح السنّة عن طريق خبر الآحاد لا عن طريق التواتر أن المتعة كان مرخصاً بها وظل المسلمون على هذه الرخصة حتى يوم خيبر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، ولم يسمع نهي عنها قبل خيبر مطلقاً. وفي خيبر ثبت بالسنّة أن الرسول عليه السلام قد نهى عنها، روي ذلك عن علي وغيره، إلاّ أن هذا النهي لم يبلغ بعض الصحابة فظلوا يقولون بالترخيص بها، وفوق ذلك فإن هذا النهي لم يكن نهياً مؤبداً وإنما كان نهياً مطلقاً. هذه هي المرة الأولى التي وقع فيها إباحة المتعة وتحريمها، فأبيحت في صدر الإسلام حتى خيبر ثم حرمت في خيبر. أما المرة الثانية فكانت عام أوطاس أو عام الفتح، وهما عام واحد، فإن الرسول عليه السلام قد فتح مكة وبعد الفتح