17 - رَوَى عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ رضي الله عنه { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ فَأُجِيبَ : إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ مَا خَلَا الظَّالِمَ فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ , قَالَ : أَيْ رَبِّ , إنْ شِئْت أَعْطَيْت الْمَظْلُومَ مِنْ الْجَنَّةِ وَغَفَرْت لِلظَّالِمِ , فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ , فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ , فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ . . . * , وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبِعَاتِ , فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَذَا لَنَا خَاصَّةً ؟ قَالَ : هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ * , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ : وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ أُخَرَ , وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَاجَهْ - وَإِنْ ضُعِّفَ - فَلَهُ شَوَاهِدُ تُصَحِّحُهُ , وَالْآيَةُ أَيْضًا تُؤَيِّدُهُ , وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ : { مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ * , وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : { أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ , وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا , وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ * . لَكِنْ ذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَحْبَطُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ حَتَّى لَوْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ وَلَكِنْ ذَكَرَ صلى الله عليه وسلم الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ , وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَالْكَبَائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ أَحَدٍ كَإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ , وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ : إنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ , وَهَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ : وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ : وَمَشَى الطِّيبِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ الْكَبَائِرَ وَالْمَظَالِمَ , وَوَقَعَ مُنَازَعَةٌ غَرِيبَةٌ بَيْنَ أَمِيرِ بَادْشَاهْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ مَالَ إلَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ , وَبَيْنَ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَقَدْ مَالَ إلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ , وَكَتَبْت رِسَالَةً فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَيْلُ إلَى تَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا , وَعَلَيْهِ مَشَى الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَالَ عِيَاضٌ : هُوَ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَظَالِمِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهَا , وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ , وَتَأْخِيرَ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى , فَيَسْقُطُ إثْمُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الْأَصْلِ وَدُونَ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ , وَنَقَلَهُ عَنْ التِّرْمِذِيِّ وَاللَّقَانِيِّ , وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ سُقُوطَ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا , وَهِيَ إنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ الْعَبْدِ , فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الْأَحَادِيثُ . قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ , وَلَيْسَ مُرَادُ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يُكَفِّرُهَا أَنَّهُ يُسْقِطُ عَنْهُ قَضَاءَ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَتَرَكَهُ وَالْمَظَالِمَ وَالدَّيْنَ , وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ إثْمَ تَأْخِيرِ ذَلِكَ , فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ طُولِبَ بِقَضَاءِ مَا لَزِمَهُ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ قُدْرَتِهِ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْآنَ الْكَبِيرَةَ الْأُخْرَى , وَالْمَسْأَلَةُ
المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٩٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحكام الهجرةص ٩٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي