تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها المؤمنون، ومن المبادئ التي وجه إليها الإسلام أتباعه مبدأ الصبر، فإنه عتاد الشدائد والمحن، يبعث على الطمأنينة والرضا بقضاء الله وقدره، فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) (6)[6] وقال الإمام علي رضي الله عنه: (إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد) وأردف ذلك بقوله: (لا إيمان لمن لا صبر له)(7)[7]، ولقد ذكر الله سبحانه الصبر في تسعين موضعًا من كتابه يرغب فيه، ويقرنه بأعمال صالحة تقرب العبد إليه ويأمر به كوسيلة من وسائل الخير، وسبيل إلى الفلاح والفوز قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 152]، وقال تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى: 43].

وإن أعظم مواقف الصبر صبر المرء على البلاء، وتجلده أمام الخطوب والكوارث، إنه موقف أولي العزم من الرسل صلوات الله عليهم، فلقد أوذوا في الله، فكانوا أئمة للصابرين، وأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل من الأذى فصبر، وكانت له العاقبة على القوم الظالمين، وقد ابتلى المسلمون قديمًا وحديثًا، وبخاصة الشعب الفلسطيني بأعظم أنواع المصائب، في أنفسهم وأموالهم، في ديارهم ومصالحهم، ابتلوا بأخبث خلق الله، لا يرقبون فيهم إلاً و لا ذمة، يريدون أن يقيموا لهم في العالمين منارًا، وهيهات أن يعلو قوم وضع الله من شأنهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بلعنة الله وغضبه، فما أحوجنا اليوم إلى التسلح بالصبر مع العمل المستمر، إنه سلاح يدعمه الإيمان واليقين، وإنه الضياء المشرق، إنه الدعامة التي يرتكز فيها النصر، فجهاد من غير صبر لا يتحقق فيه النصر.

فيا عباد الله، اتقوا الله، وادعوه وأنتم موقنون بالإجابة.

-------------------------

الخطبة الثانية

الحمد لله كاشف الغم مزيل الشدائد عن المكروبين، وأحمده سبحانه، كتب النصر لعباده المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من اعتمد عليه كفاه وتولاه، فأعظم بكفاية رب العالمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نشر لواء العدل والسلام، وقضى على الظلم والطغيان، وكان خير المرسلين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فإن ما يحدث في فلسطين ولشعب فلسطين يمثل أقصى ما يمكن أن يصل إليه التسلط والاستبداد والظلم والطغيان على شعب من الشعوب، وأغرب ما في هذه الظاهرة المرعبة المخجلة أن الظالم والمستبد بها نجح في ستر ظلمه واحتلاله واستبداده وراء ستار الدفاع عن النفس وعن القيم الحضارية كما يزعم، ويتجلى هذا التسلط وهذا الاستبداد على الإنسان والأرض والبيوت والمقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، فالإنسان في هذه الأرض المباركة يسفك دمه وينكل به، بل ويمثل في جسده الطاهر، كأنه لعبة يتسلى بها الطغاة المجرمون ليشبعوا غرائزهم المتعطشة إلى دماء الأبرياء.

وأما الأرض فتتعرض صباح مساء إلى العدوان الأحمق المتمثل بعمليات التجريف والتدمير وقلع الأشجار المثمرة التي تزين الأرض بخضرتها وأزهارها، كما يتمثل بتدمير بيوت الآمنين وترك أهلها في العراء تحت وطأة البرد القارس، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، رافعين أكفهم وأبصارهم إلى السماء مستغيثين بالجبار، المنتقم العظيم أن يرفع عنهم وعن إخوانهم في كل مكان بأس الطغاة المجرمين، ناهيك عن الحصار المشدد المفروض على مدننا وقرانا، هذا الحصار الذي عجب منه العدو قبل الصديق، يضاف إلى ذلك تدمير مؤسسات هذا الشعب على اختلاف أنواعها، وما ذلك إلا لتدمير البنية التحتية له، ولمحو الصوت الفلسطيني والشخصية الفلسطينية، كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع العالم والمؤسسات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان، وسط صمت عربي وإسلامي مهين ومشين.

أيها المسلمون، إن أرض فلسطين في نظر الإسلام هي أرض الإيمان، لذلك وجه الإسلام أنظار المؤمنين إليها ليرابطوا فيها وفي بلاد الشام، حتى يظل جنود الإسلام واعين بحقيقة المعركة التي تمتد في التاريخ بين الإيمان والكفر، وتأتي الأحاديث الشريفة لتؤكد هذا المعنى كما جاء في حديث ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس فقال : ((أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاةٍ فيما سواه)) قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟!، قال: ((فليهد إليه زيتًا يسرج فيه، فان من أهدى له كمن صلى فيه))، وفي رواية ((فإن صلاة فيه كخمسمائة صلاة)) رواه الإمام أحمد(8)[1].

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٦٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٦٨١