10 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَمَلُّكِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا , فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا وَإِنْ أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ , لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ طَرَأَتْ عَلَيْهِ يَدٌ عَادِيَةٌ , فَلَمْ يَمْلِكْ بِهَا كَالْغَصْبِ . وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ لَا يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بِغَصْبٍ , فَالْمُشْرِكُ أَوْلَى أَلَّا يَمْلِكَ . وَخَبَرُ { عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْأَنْصَارِيَّةِ الَّتِي أُسِرَتْ , ثُمَّ امْتَطَتْ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَأَعْجَزَتْ مَنْ طَلَبِهَا , فَنَذَرَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنهَا , فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ , فَقَالُوا : الْعَضْبَاءُ , نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . فَقَالَتْ : إنَّهَا نَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنهَا , فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ , بِئْسَمَا جَزَتْهَا , نَذَرَتْ لِلَّهِ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنهَا , لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ , وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ * . وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَمْلِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ لَمَلَكَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ النَّاقَةَ . لِأَنَّهَا تَكُونُ أَخَذَتْ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ فِي دَارِ حَرْبٍ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ , وَلَكِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّهَا نَذَرَتْ فِيمَا لَا تَمْلِكُ وَأَخَذَ نَاقَتَهُ , وَبِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ , قَالَ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ : إنَّ أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ لَا يَمْلِكُونَهَا , أَمَّا إذَا أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا . وَقَالُوا : لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْلِمِ يَزُولُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ , فَتَزُولُ الْعِصْمَةُ , فَكَأَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ , لِأَنَّ الْمِلْكَ هُوَ : الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحَلِّ فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ , أَوْ شُرِعَ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ , وَقَدْ زَالَ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ . فَإِذَا زَالَ مَعْنَى الْمِلْكِ أَوْ مَا شُرِعَ لَهُ الْمِلْكُ , يَزُولُ الْمِلْكُ ضَرُورَةً . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ : يَمْلِكُونَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ . وَقَالُوا : لِأَنَّ الْقَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ , فَمَلَكَ بِهِ الْكَافِرُ مَالَ الْمُسْلِمِ كَالْبَيْعِ , وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ إلَى الدَّارِ , كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَالِ الْكُفَّارِ , وَلِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ أَثْبَتَ الْمِلْكَ حَيْثُ وُجِدَ , كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ , اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ , فَمَنْ رَأَى أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ : يَرَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ مَالِكُهُ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِدُونِ رَدِّ قِيمَتِهِ , أَمَّا إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ . وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ : يَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا وَجَدَ مَالَهُ فِي الْغَنِيمَةِ أَخَذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِلَا رَدِّ شَيْءٍ .
قَضَاءُ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ فِي مُنَازَعَاتٍ حَدَثَتْ أَسْبَابُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ :