تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرأ مجاهد . والزهري . والأعرج . وعكرمة . وحميد . وأبو حيوة . والزعفراني فعقبتم بتشديد القاف من عقبه إذا قفاه لأن كل واحد من المتعاقبين يقفى صاحبه ، والزهري . والأعرج . وأبو حيوة أيضاً . والنخعي . وابن وثاب بخلاف عنه فعقبتم بفتح القاف وتخفيفها ، والزهري . والنخعي أيضاً بالكسر والتخفيف ، ومجاهد أيضاً فأعقبتم أي دخلتم في العقبة؛ وفسر الزجاج هذه القراآت الأربعة بأن المعنى فكانت العقبى لكم أي الغلبة والنصر حتى غنمتم لأنها العاقبة التي تستحق أن تسمى عاقبة ﴿ واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فإن الإيمان به عز وجل يقتضي التقوى منه سبحانه وتعالى :

----------------

وقال الرازي(1) :

في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول ، وهو أن المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة ، إما أن يستمر عناده ، أو يرجى منه أن يترك العناد ، أو يترك العناد ويستسلم ، وقد بين الله تعالى في هذه الآيات أحوالهم ، وأمر المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال .

أما قوله تعالى : ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبراهيم والذين مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برآء منكم ﴾ [ الممتحنة : 4 ] فهو إشارة إلى الحالة الأولى ، ثم قوله : ﴿ عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾ [ الممتحنة : 7 ] إشارة إلى الحالة الثانية ، ثم قوله : ﴿ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات ﴾ إشارة إلى الحالة الثالثة ، ثم فيه لطيفة وتنبيه وحث على مكارم الأخلاق ، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن ، وبالكلام إلا بالذي هو أليق .

واعلم أنه تعالى سماهن مؤمنات لصدور ما يقتضي الإيمان وهو كلمة الشهادة منهن ، ولم يظهر منهن ما هو المنافي له ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان والامتحان وهو الابتلاء بالحلف ، والحلف لأجل غلبة الظن بإيمانهن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة : « بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج ، بالله ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض ، بالله ما خرجت التماس دنيا ، بالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله » وقوله : ﴿ الله أَعْلَمُ بإيمانهن ﴾ منكم والله يتولى السرائر : ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ ﴾ العلم الذي هو عبارة عن الظن الغالب بالحلف وغيره ، ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار ﴾ أي تردوهن إلى أزواجهن المشركين ، وقوله تعالى : ﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ ﴾ أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور ، وذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة يرد إليهم ، ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم ، وكتبوا بذلك العهد كتاباً وختموه ، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر المخزومي ، وقيل : صيفي بن الراهب ، فقال : يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطاً أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طية الكتاب لم تجف ، فنزلت بياناً لأن الشرط إنما كان للرجال دون النساء . وعن الزهري أنه قال : إنها جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي عاتق ، فجاء أهلها يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم ، وكانت هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا : أرددها علينا ، فقال عليه السلام :« كان الشرط في الرجال دون النساء » وعن الضحاك : أن العهد كان إن يأتك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا ، وإن دخلت في دينك ولها زوج ردت على زوجها الذي أنفق عليها ، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك ، ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد ، واستحلفها الرسول عليه السلام فحلفت وأعطى زوجها ما أنفق ، ثم تزوجها عمر ، وقوله تعالى : ﴿ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ أي مهورهن إذ المهر أجر البضع ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر ﴾ والعصمة ما يعتصم به من عهد وغيره ، ولا عصمة بينكم وبينهن ولا علقة النكاح كذلك ، وعن ابن عباس أن اختلاف الدارين يقطع العصمة ، وقيل : لا تقعدوا للكوافر ، وقرىء : ﴿ تمسكوا ﴾ ، بالتخفيف والتشديد ، و ﴿ تمسكوا ﴾ أي ولا تتمسكوا ، وقوله تعالى : ﴿ واسألوا ما أنفقتم ﴾ وهو إذا لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ولم يدفعوها إليكم فعليهم أن يغرموا صداقها كما يغرم لهم وهو قوله تعالى : ﴿ وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم ﴾ أي بين المسلمين والكفار وفي الآية مباحث :

الأول : قوله : ﴿ فامتحنوهن ﴾ أمر بمعنى الوجوب أو بمعنى الندب أو بغير هذا وذلك؟ قال الواحدي : هو بمعنى الاستحباب .

(1) - تفسير الرازي - (ج 15 / ص 326)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٥٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٥٧٥