تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا ولاية بيننا وبين من لم يهاجرو هو قادر :

قال تعالى : { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا* (89) سورة النساء

قال الإمام القرطبي رحمه الله (1):

قوله تعالى : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ أي فرقتين مختلفتين . روى مسلم عن زيد بن ثابت : " أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد فرجع ناس ممن كان معه ، فكان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين؛ فقال بعضهم : نقتلهم . وقال بعضهم : لا؛ فنزلت ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ " وأخرجه التّرمذيّ فزاد : وقال : " إنها طِيبة " وقال : " إنها تَنْفِي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد " قال : «حديث حسن صحيح» . وقال البخاريّ : " إنها طيِبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة " والمعنِيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أُبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدّم في «آل عمران» . وقال ابن عباس : هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة ، قال الضحاك : وقالوا إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا ، وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا . فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولَّوْنهم وقوم يتبرّؤون منهم؛ فقال الله عز وجل ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ . وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ، فأصابهم وَباءُ المدينة وحُمَّاها؛ فأرْكِسوا فخرجوا من المدينة ، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما لكم رجعتم؟ فقالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتويناها؛ فقالوا : ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسْوَة؟ فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا ، هم مسلمون؛ فأنزل الله عز وجل ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا ﴾ الآية . حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون؛ فبيّن الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم .

قلت : وهذان القولان يَعْضُدهُما سياق آخر الآية من قوله تعالى : «حَتَّى يُهَاجِرُوا» ، والأوّل أصح نقلاً ، وهو اختيار البخاريّ ومسلم والترمذي . و «فِئَتَيْنِ» نصب على الحال؛ كما يقال : مالك قائماً؟ عن الأخفش . وقال الكوفيون : هو خبر «ما لكم» كخبر كان وظننت ، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء : «أرْكسهم ، وَرَكَسَهم» أي ردّهم إلى الكفر ونكسهم؛ وقاله النّضر بن شُمَيل والكسائي : والرّكس والنكس قلب الشيء على رأسه ، أو ردّ أوّله على آخره ، والمركوس المنكوس . وفي قراءة عبد الله وأُبَيّ رضي الله عنهما «والله رَكَسهم» . وقال ابن رَوَاحة :

أُرْكِسوا في فِتْنَةٍ مُظلمةٍ ... كَسَوادِ الليل يَتْلُوها فِتَنْ

أي نكسوا . وارتكس فلان في أمر كان نجا منه . والرُّكُوسِيَّة قوم بين النصارى والصابئين . والراكِس الثَّور وسَط البَيْدَر والثيران حواليه حين الديِّاس . ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ أي ترشدوه إلى الثواب بأن يُحْكم لهم بحكم المؤمنين . ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ أي طريقاً إلى الهُدَى والرّشد وطلب الحجة . وفي هذا ردّ على القَدرية وغيرهم القائلين بخلق هُداهم وقد تقدّم .

فيه خمس مسائل :

الأُولى قوله تعالى : ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ أي تمنّوا أن تكونوا كَهُم في الكفر والنفاق شَرَعٌ سواء ، فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال : ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ ؛ كما قال تعالى : ﴿ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ [ الأنفال : 72 ] والهجرة أنواع : منها الهجرة إلى المدينة لنُصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه واجبة أوّل الإسلام حتى قال : " لا هجرة بعد الفتح " وكذلك هجرة المنافقين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الغزوات ، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة . وهجرة المسلم ما حرّم الله عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : " والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه " وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن . وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديباً لهم فلا يُكَلَّمون ولا يخالَطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيْه . ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ يقول : إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم . ﴿ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ عامّ في الأماكن من حِلٍّ وحَرَم . والله أعلم . ثم استثنى وهي :

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1455)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٥٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٥٤٠