تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ 1 - : لَمْ أَرَهَا الْآنَ لِأَصْحَابِنَا رحمهم الله , وَأَرْجُو مِنْ كَرَمِ الْفَتَّاحِ أَنْ يَفْتَحَ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِهَا ; 2 - : وَهِيَ الْإِيثَارُ فِي الْقُرَبِ 3 - , وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : الْإِيثَارُ فِي الْقُرَبِ مَكْرُوهٌ , وَفِي غَيْرِهَا مَحْبُوبٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * , وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ , وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ , وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ , وَالْإِجْلَالُ ; فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ , وَتَعْظِيمَهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ : لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ , وَمَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ ; لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يَجُزْ , لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ , وَالْعِبَادَاتِ . وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ : لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِيُجْلَسَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ , فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ . قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله : لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ , وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ , وَمَعَهُ مَاءٌ يَكْفِيهِ بِطَهَارَتِهِ , وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ , وَلَوْ أَرَادَ الْمُضْطَرُّ إيثَارَ غَيْرِهِ بِالطَّعَامِ ; لِاسْتِبْقَاءِ مُهْجَتِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ , وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ , وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسُوغُ فِيهِ الْإِيثَارُ , وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ لِنَفْسِهِ .

قَوْلُهُ : لَمْ أَرَهَا الْآنَ لِأَصْحَابِنَا إلَخْ : أَقُولُ : فِي الْمُضْمَرَاتِ نَقْلًا عَنْ النِّصَابِ , وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ بِالدُّخُولِ إلَى الْمَسْجِدِ , وَأَخَذَ مَكَانَهُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَدَخَلَ رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْلُ عِلْمٍ , يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ , وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ ( انْتَهَى ) . قِيلَ : فَهَذَا مُفِيدٌ لِجَوَازِ الْإِيثَارِ فِي الْقُرَبِ عَمَلًا بِعُمُومِ قوله تعالى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلُ تَخْصِيصٍ , وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِيثَارِ فِي الْقُرَبِ مَا قَالُوهُ : إنَّ مِنْ الْآدَابِ أَنْ يُبْدَأَ بِغَسْلِ أَيْدِي الشُّبَّانِ قَبْلَ الطَّعَامِ , وَبِأَيْدِي الشُّيُوخِ بَعْدَهُ فَالشُّيُوخُ يُؤْثِرُونَ الشُّبَّانَ قَبْلَهُ , وَيُقَدِّمُونَهُمْ , وَالشُّبَّانُ يُؤْثِرُونَ الشُّيُوخَ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ غَسْلَ الْأَيْدِي قَبْلَ الطَّعَامِ , وَبَعْدَهُ سُنَّةٌ فَهَذَا إيثَارٌ فِي الْقُرَبِ ( انْتَهَى ) , وَفِيهِ تَأَمُّلٌ . ( 2 ) قَوْلُهُ : وَهِيَ الْإِيثَارُ فِي الْقُرَبِ : الْإِيثَارُ : أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِالشَّيْءِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ , وَعَكْسُهُ الْأَثَرَةُ , وَهِيَ اسْتِيثَارُهُ عَنْ أَخِيهِ بِمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ عليه السلام { سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً * , وَالْإِيثَارُ ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ فِيمَا لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ فَهُوَ مَطْلُوبٌ كَالْمُضْطَرِّ يُؤْثِرُ بِطَعَامِهِ غَيْرَهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْلِمًا لقوله تعالى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * . وَالثَّانِي : فِي الْقُرَبِ كَمَنْ يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ غَيْرَهُ , وَيَتَأَخَّرُ أَوْ يُؤْثِرُهُ بِقُرْبِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ , وَهُوَ لَا يَجُوزُ , كَذَا فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ . ( 3 ) قَوْلُهُ : قَالَ الشَّافِعِيَّةُ : الْإِيثَارُ فِي الْقُرَبِ مَكْرُوهٌ : أَقُولُ : قَدْ قَدَّمْنَا عَنْ قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ قَرِيبًا أَنَّ الْإِيثَارَ فِي الْقُرَبِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ يُقَالُ لِلْمَكْرُوهِ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَا مُخَالَفَةَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ

-----------------

وفي الموسوعة الفقهية (1):

الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ :

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11988)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٥٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٥٣٢