تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير وبين البخل والإقتار ، فالجود غير التبذير ، والاقتصاد غير البخل فالمنع في محل الإعطاء مذموم ، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ﴾ [ الإسراء : 29 ] ، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضاً ، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ﴾ [ الإسراء : 29 ] .

وقد قال الشاعر :

لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما ... فإنها خطرات من وساوسه

يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما ... وقد بين تعالى في مواضع أخرى ، أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا إذا كان مصرفه الذي صرف منه مما يرضي الله كقوله تعالى : ﴿ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأقربين ﴾ [ البقرة : 215 ] الآية ، وصرح في أن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله : ﴿ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ [ الأنفال : 36 ] .

وقد قال الشاعر :

إن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع

فإن قيل : هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد عن الحاجة الضرورية ، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا ، وذلك في قوله : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون ﴾ [ الحشر : 9 ] .

فالظاهر في الجواب والله تعالى أعلم : هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً ، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعاً ، وذلك كما إذا كانت على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها ، فتبرع بالإنفاق في غير واجب ، وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم : « وابدأ بمن تعول » ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم ، فلا يجوز له ذلك؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة ، وكان واثقاً من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال .

وأما على القول بأن قوله تعالى : ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ ﴾ [ البقرة : 3 ] يعني به الزكاة ، فالأمر واضح ، والعلم عند الله تعالى . انتهى منه .

والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاثة :

الأولى : الإنفاق من بعض الماء بصفة عامة ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ .

الثانية : الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه ، كما في قوله تعالى ﴿ وَآتَى المال على حُبِّهِ ﴾ [ البقرة : 177 ] ، وهذا أخص من الأول ، وقوله : ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ [ الإنسان : 8 ] الآية .

الثالثة : الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [ الحشر : 9 ] فهي أخص من الخاص الأول .

وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب ، حتى قيل : إن المراد بها الزكاة . وهي تشمل النافلة ، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة ، وتدخل في قوله تعالى : ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ [ الزلزلة : 7 ] وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى ، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس ، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما ، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب ، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس ، كما بينه تعالى بقوله : ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ﴾ [ الإسراء : 29 ] . وكما امتجح الله تعالى قوماً بالاعتدال في قوله : ﴿ والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ [ الفرقان : 67 ] .

وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفسلفة الأخلاقية القائلة : « الفضيلة وسط بين طرفين » أي طرفي الإفراط والتفريط . فالشجاعة مثلاً وسط بين التهور والجبن ، والكرم وسط بين التبذير والتقتير .

والغنفاق جوانب متعددة ، وأحكام متفاوتة ، قد بين الشيخ رحمه الله جانباً من الأحكام ، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى ، وتنحصر في الآتي : نوع ما يقع منه الإنفاق ، الجهة المنفق عليها ، موقف المنفق ، وصورة الإنفاق .

أما ما يقع منه الإنفاق : قد بينه تعالى أولاً من كسب حلال لقوله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ البقرة : 267 ] .

وقوله تعالى : ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [ آل عمران : 92 ] .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٥٠٤