وأما ما حرم عليه فجملته عشرة : الأوّل : تحريم الزكاة عليه وعلى آله . الثاني : صدقة التطوّع عليه ، وفي آله تفصيل باختلاف . الثالث : خائنة الأعين ، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر ، أو ينخدع عما يجب . وقد ذمّ بعضَ الكفار عند إذنه ثم ألان له القول عند دخوله . الرابع : حَرّم الله عليه إذا لبس لأْمته أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه . الخامس : الأكل متّكئاً . السادس : أكل الأطعمة الكريهة الرائحة . السابع : التبدّل بأزواجه؛ وسيأتي . الثامن : نكاح امرأة تكره صحبته . التاسع : نكاح الحرّة الكتابية . العاشر : نكاح الأمة .
وحرّم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره تنزيهاً له وتطهيراً . فحرّم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه؛ تأكيداً لحجته وبياناً لمعجزته؛ قال الله تعالى : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ [ العنكبوت : 48 ] . وذكر النقاش أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما مات حتى كتب؛ والأوّل هو المشهور . وحرم عليه أن يمدّ عينيه إلى ما متّع به الناس؛ قال الله تعالى : ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ [ الحجر : 88 ] الآية .
وأما ما أحِلّ له صلى الله عليه وسلم فجملته ستة عشر : الأوّل : صَفِيّ المغنم . الثاني : الاستبداد بخمس الخمس أو الخمس . الثالث : الوصال . الرابع : الزيادة على أربع نسوة . الخامس : النكاح بلفظ الهبة . السادس : النكاح بغير ولِيّ . السابع : النكاح بغير صداق . الثامن : نكاحه في حالة الإحرام . التاسع : سقوط القَسْم بين الأزواج عنه؛ وسيأتي . العاشر : إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها؛ وحلّ له نكاحها . قال ابن العربي : هكذا قال إمام الحرمين ، وقد مضى ما للعلماء في قصة زيد من هذا المعنى . الحادي عشر : أنه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها . الثاني عشر : دخوله مكة بغير إحرام ، وفي حقنا فيه اختلاف . الثالث عشر : القتال بمكة . الرابع عشر : أنه لا يورث . وإنما ذكر هذا في قسم التحليل لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض زال عنه أكثر ملكه ، ولم يبق له إلا الثلث خالصاً ، وبقي ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما تقرّر بيانه في آية المواريث ، وسورة «مريم» بيانه أيضاً .
الخامس عشر : بقاء زوجيّته من بعد الموت . السادس عشر : إذا طلّق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تُنكح . وهذه الأقسام الثلاثة تقدّم معظمها مفصلاً في مواضعها . وسيأتي إن شاء الله تعالى .
وأبيح له عليه الصلاة والسلام أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان ، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك ، لقوله تعالى : ﴿ النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ . وعلى كل أحد من المسلمين أن يَقِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه . وأبيح له أن يحمي لِنفسه . وأكرمه الله بتحليل الغنائم . وجعلت الأرض له ولأمته مسجداً وطهوراً . وكان من الأنبياء ( مَن ) لا تصح صلاتهم إلا في المساجد . ونُصِر بالرُّعْب؛ فكان يخافه العدوّ من مسيرة شهر . وبُعث إلى كافة الخلق ، وقد كان مَن قبله من الأنبياء يُبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض . وجُعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة . وكانت معجزة موسى عليه السلام العصا وانفجارَ الماء من الصخرة . وقد انشق القمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، وخرج الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم . وكانت معجزة عيسى صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى وإبراء الأكْمَه والأبرص . وقد سبّح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحنّ الجِذع إليه؛ وهذا أبلغ . وفضّله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له ، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة ، ولهذا جُعلت نبوَّته مؤبّدة لا تُنسخ إلى يوم القيامة .
السابعة عشرة : قوله تعالى : ﴿ أَن يَسْتَنكِحَهَا ﴾ أي ينكحها ، يقال : نَكَح واستنكح؛ مثل عَجِب واستعجب ، وعجِل واستعجل . ويجوز أن يَردِ الاستنكاح بمعنى طلب النكاح ، أو طلب الوطء . و«خَالِصَةً» نصب على الحال ، قاله الزجاج . وقيل : حال من ضمير متصل بفعل مضمر دلّ عليه المضمر ، تقديره : أحللنا لك أزواجك ، وأحللنا لك امرأة مؤمنة أحللناها خالصة ، بلفظ الهبة وبغير صداق وبغير ولِيّ .
الثامنة عشرة : قوله تعالى : ﴿ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ فائدته أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة عندنا فليس لهم في ذلك دخول ، لأن تصريف الأحكام إنما يكون فيهم على تقدير الإسلام .
قوله تعالى : ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ ﴾ أي ما أوجبنا على المؤمنين ، وهو ألا يتزوّجوا إلا أربع نسوة بمهر وبيّنة ووَلِيّ . قال معناه أُبَيّ بن كعب وقتادة وغيرهما .