الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ قَبْلَ تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي حَجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا . وَكَانَ ( شَيْخُنَا ) أَبُو الْحَسَنِ رحمه الله يَحْتَجُّ لِعُذْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَأَخُّرِهِ عَنْ الْحَجِّ فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ كَانُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ وَكَانَتْ تَلْبِيَتُهُمْ شِرْكًا وَكُفْرًا , وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ , فَصَانَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ , فَأَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الْحَجِّ إلَى السَّنَةِ الْأُخْرَى لِيَنْبِذَ إلَى الْمُشْرِكِينَ عُهُودَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَقَالَ : { لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ * وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ لِأَنَّ مَنْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اسْتِخْفَافًا كَانَ كَافِرًا . وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَقَامَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَوْمٌ لَمْ يَحُجُّوا , قِيلَ ( لَهُ ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ بِأَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِهِ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ هُنَاكَ وَحَوْلَ الْمَدِينَةِ , فَكَانُوا مَعْذُورِينَ فِي الْمَقَامِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ { حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ أَبَا بَكْرٍ فَيَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْمَوْسِمِ فَبَعَثَ بِهِ بَعْدَ أَنْ حَبَسَهُ عِنْدَهُ * , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي الِابْتِدَاءِ إذَنْ قَدْ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ بَعْدَ حَبْسِهِ نَدْبًا . قِيلَ لَهُ : قَدْ كَانَ كَوْنُهُ عِنْد النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَرْضًا فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ لَزِمَهُ فَرْضُ الْخُرُوجِ لِلتَّبْلِيغِ عَنْهُ فِيمَا عَهِدَ إلَيْهِ فِيهِ , فَقَدْ كَانَ هَذَا أَوْجَبَ مِنْ الْأَوَّلِ فَلِذَلِكَ بَعَثَ بِهِ .
-----------------
وفي طرح التثريب (1):
( السِّتُّونَ ) : قوله تعالى { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ * أَيْ لَا يَحْلِفُ الْأَوْلِيَةُ الْحَلِفَ يُقَالُ آلَى يُولِي وَائْتَلَى يَأْتَلِي بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَالْفَضْلُ هُنَا الْمَالُ وَالسَّعَةُ فِي الْعَيْشِ وَالرِّزْقِ ( قُلْت ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَضْلِ الْإِفْضَالُ وَالْإِعْطَاءُ وَالتَّصْدِيقُ , وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا يَلِيقُ بِالسَّعَةِ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ , قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فِي قوله تعالى { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ : * الْآيَةُ انْتَهَى . وَلَوْ أُرِيدَ بِالْفَضْلِ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لَهُ . .
-------------------
العفو(2)
وليد بن إدريس المنيسي
1- قال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذي ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.
أثنى الله على عباده المتقين ووصفهم بالإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس والإحسان إلى الخلق، ووعدهم جنة عرضها السموات والأرض فكيف بطولها؟ وأخبر سبحانه أنه يحبهم.
2- عن عبد الله بن عمر مرفوعاً: ((ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة)) [رواه الطبراني وحسنه الألباني].
3- قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى والعافين عن الناس أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد وهذا أكمل الأحوال. أ.هـ.
مراده بأكمل الأحوال أي الأربعة:
أ- جزاءه السيئة بأسوأ. ب- جزاء السيئة بمثلها. ج- العفو عن المسيء. د- الإحسان إلى المسيء. ((صل من قطعك واعف عمن ظلمك وأحسن إلى من أساء إليك)).
4- أمر الله تعالى بالعفو والصفح في مواضع من كتابه منها قوله تعالى في خطاب نبيه : ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)).
5- قال ابن كثير: المراد بالفظ هنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك: غليظ القلب، أي لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب لانفضوا عنك وتركوك ولكن الله جمعهم عليك وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم.
(1) -طرح التثريب - (ج 8 / ص 290)
(2) -موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1469)