وقوله : ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله ﴾ الآية . قووله : ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة ﴾ أي لا يحلف فقوله : يأتل وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين ، تقول العرب آلى يؤلي وائتلى إذا حلف ، ومنه قوله تعالى : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ البقرة : 226 ] أي يحلفون مضارع آلى يؤلي إذا حلف . ومنه قول امرئ القيس :
ويوما على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل
أي حلفت حلفة . وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهم :
فآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
والألية اليمين ، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز :
قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت
أي لا يحلف أصحاب الفضل والسعة : أي الغنى كأبي بكر رضي الله عنه ، وأن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن أثاثة . وقوله : أن يؤتوا : أي لا يحلفوا عن أن يؤتوا ، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وأن وصلتهما مطرد . وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم ، ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهياً عنه . ومفعول يؤتوا الثاني محذوف : أي أن يؤتوا أولي القربى النفقة والإحسان ، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه .
وقال بعض أهل العلم قوله : ولا يأتل : أي لا يقصر أصحاب الفضل ، والسعة كأبي في إيتاء أولي القربى كمسطح ، وعلى هذا فقوله يأتل يفتعل من ألا يألوا في الأمر إذا قصر فيه وأبطأ .
ومنه قوله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ [ آل عمران : 118 ] أي لا يقصرون في مضرتكم ، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي : وأشمط عريان يشد كتافه ... يلام على جهد القتال وما ائتلا
وقول الآخر :
وإن كنائني لنساء صدق ... فما آلى بني ولا أساءوا
فقوله : فما آلى بني : يعني ما قصروا ، ولا أبطؤوا والأول هو الأصح . لأن حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحاً بنافعة ، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف . وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولى القربي والمساكين والمهاجرين ، جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة : 224 ] أي لا تحلفوا بالله عن فعل الخير ، فإذا قيل لكم : اتقوا وبروا ، وأصلحوا بين الناس قلتم : حلفنا بالله لا نفعل ذلك ، فتجعلوا الحلف بالله سبباً للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية .
وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتيتن على المعنى المذكور ، وذكرنا ما يوضحه من الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ [ المائدة : 89 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا ﴾ فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أَساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا وأصل العفو : من عفت الريح الأثر إذا طمست .
والمعنى : فليطمسوا آثار الإساءة بحملهم وتجاوزهم ، والصفح ، قال بعض أهل العلم مشتق من صفحة العنق أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق ، معرضين عنها . وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى : ﴿ وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ [ آل عمران : 133134 ] وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن الناس ، من صفات أهل الجنة ، وكفى بذلك حثاً على ذلك . ودلت أيضاً : على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به وكقوله تعالى : ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سواء فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ [ النساء : 149 ] وقد بين تعالى في هذه الاية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى ، وكفى بذلك حثاً عليه . وكقوله تعالى : ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ [ الحجر : 85 ] وكقوله : ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [ الشورى : 43 ] إلى غير ذلك من الآيات .