تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال - تعالى - : ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . . . ﴾ وقال - سبحانه - ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ وقوله - عز وجل - : ﴿ وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ تذييل قصد به بيان أن عطاءه - سبحانه - فوق كل عطاء ، لأنه يرزق من يشاء بغير حساب ، ويعطى من يشاء دون أن ينازعه منازع ، أو يعارضه معارض ، أو ينقص مما عنده شىء .

وقوله - تعالى - : ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ . . . ﴾ استئناف مقرر لما قبله . و " مدخلا " أى : إدخالا ، من أدخل يدخل - بضم الياء - وهو مصدر ميمى للفعل الذى قبله ، والمفعول محذوف .

أى : ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه .

وقرأ نافع ( مدخلا ) - بفتح الميم - على أنه اسم مكان أريد به الجنة ، أى : ليدخلنهم مكانا يرضونه وهو الجنة .

﴿ وَإِنَّ الله ﴾ - تعالى - ﴿ لَعَلِيمٌ ﴾ بالذى يرضيهم ، وبالذى يستحقه كل إنسان من خير أو شر ﴿ حَلِيمٌ ﴾ فلا يعاجل بالعقوبة ، بل يستر ويعفو عن كثير .

================

العفو عن هفوات المهاجرين

قال تعالى : { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* (22) سورة النور

قال الإمام القرطبي رحمه الله (1):

الحادية والعشرون : قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة ﴾ الآية . المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه ومِسْطح بن أثَاثة . وذلك أنه كان ابن بنت خالته وكان من المهاجرين البَدْرِيِّين المساكين . وهو مِسْطح بن أُثَاثة بن عَبّاد بن المطلب بن عبد مناف . وقيل : اسمه عَوف ، ومسطح لقب . وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه لمسكنته وقرابته؛ فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال ، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبداً ، فجاء مسطح فاعتذر وقال : إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول . فقال له أبو بكر : لقد ضحكت وشاركت فيما قيل؛ ومَرّ على يمينه ، فنزلت الآية . وقال الضحاك وابن عباس : إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا : والله لا نصِل من تكلم في شأن عائشة؛ فنزلت الآية في جميعهم . والأول أصح؛ غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسَعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابرَ الدهر . وروى الصحيح أن الله تبارك وتعالى لما أنزل ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ العشر آيات ، قال أبو بكر وكان ينفق على مِسطح لقرابته وفقره : واللَّهِ لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة؛ فأنزل الله تعالى ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة إلى قوله أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ . قال عبد الله بن المبارك : هذه أرْجَى آية في كتاب الله تعالى؛ فقال أبو بكر؛ والله إني لأحِبّ أن يغفر الله لي؛ فرجَع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : لا أنْزِعُها منه أبداً .

الثانية والعشرون : في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيراً لا يُحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مِسْطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان؛ وكذلك سائر الكبائر؛ ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله ، قال الله تعالى : ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [ الزمر : 65 ] .

الثالثة والعشرون : من حلف على شيء لا يفعله فرأى فعله أوْلَى منه أتاه وكفّر عن يمينه ، أو كفّر عن يمينه وأتاه؛ كما تقدم في «المائدة» . ورأى الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سُنّة من السنن أو مندوباً وأبّد ذلك أنها جُرْحة في شهادته؛ ذكره الباجي في المنتقى .

الرابعة والعشرون : قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل ﴾ «ولا يأتل» معناه يحلف؛ وزنها يفتعل ، من الألِيّة وهي اليمين؛ ومنه قوله تعالى : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ﴾ [ البقرة : 226 ] ؛ وقد تقدم في «البقرة» . وقالت فرقة : معناه يُقَصّر؛ من قولك : ألَوْتُ في كذا إذا قصرت فيه؛ ومنه قوله تعالى : ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ [ آل عمران : 118 ] .

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3904)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٤١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٤١٦